الرئيسية / 24 ساعة / أعمار مسروقة .

أعمار مسروقة .

جلست في ركن مقهى هروبا من ضوضاء الشارع الرئيسي الذي أصبح المرور منه وقت الذروة صعب وأمر لايطاق. حرية التحرك أصبحت عملية متعبة ومرهقة لمستوى قد تغير إتجاهك عدة مرات لتصل لمكان لايبعد عنك سوى بأمتار معدودات . انزويت لعلي أستفيد من خلوة كالعادة بعد انشغالات كثيرة مسترسلة لم تترك لي فرصة استرجع فيها قدرتي على التركيز .صحيح أن يومي السبت والأحد تعرف المنطقة هدوءا مؤقتا ليس كباقي أيام الأسبوع كما أن اتصالات الهاتف تكون بدرجة أقل .كنت في كل مرة أختلي فيها بنفسي من أجل تدوين ارتسامات تفاعلت بدواخلي حتى لاتندثر ويعتريها النسيان .بدأت في حوار داخلي أطرح أسئلة من قبيل ما دورنا في هذه الحياة التي أصبحت تمر بسرعة لم نعد نقو على مجاراتها وهي تطوي الأيام في غفلة منا دون أن نشعر بذلك ؟
في الآونة الأخيرة بدأت أتابع من خلال المواقع والرسائل التي تصلني تباعا من أماكن مختلفة وهي تسجل أبهى الصور وأجملها لعلها تنسينا أحداثا تدمي القلب .توثق للحظات تقف أمامها متأثرا بكثير من المشاعر النبيلة المتدفقة وهي تعطي الأجمل فينا لكل متابع .حيث تسجل نهاية كل سنة فضاءاتنا التربوية محطات إنسانية بامتياز وكيف نستطيع أن نصنع الفرحة في أعين الآخرين دون تكلف أو مبالغة بكلمات رقيقة وأجواء احتفالية تم الترتيب لها مبكرا بمجهود ذاتي لتكون في الموعد . غنى المشاعر بكل هذا الزخم وهذا التنوع في الصياغة والإخراج يعطي انطباعا واحدا أن فضاءاتنا رغم كل التقلبات وما أصبحت تعيشه من استهداف وانفعال وعدم استقرار فهي قادرة على إبداع مواقف إنسانية تفيض فرحة وبهجة واحتفالا لتكون فيها السلطة المطلقة للكلمة المعبرة والفن الراقي . اعترافا بمجهودات من أفنوا زهرة شبابهم في مسار مهنة المتاعب وتأدية رسالة التربية التي تعتبر رهان أمة وإحدى تحدياتها .
أصبحت أدقق في لحظات إنسانية لأنني لم أعد قادرا على تمالك أعصابي ولا دموعي وأنا أرقب من بعيد لحظات مغادرة أخ او صديق لمكان عمله وهو يودع أصدقاءكانوا إلى عهد قريب يتبادلون معه أطراف الحديث في أمور كثيرة يقضون سويعات مسروقة من أعمارهم لاتضبطها دقائق ولاثواني . لايتسرب الملل لمجالسهم . لقد تقاسموا لحظات لاتنسى بحلوها ومرها.شكلوا جميعا وحدة منسجمة تجاوزوا فيها كثير من نقط الإختلاف بينهم لأنهم يعلمون أن مصيرهم المشترك قادر على تجاوز كل المعيقات . كل وافد جديد يندمج بسرعة دون عناء فهم واعون بأن كل تأخر ستكون كلفته هدر زمن اضافي لم يعودوا يطيقون ضياعه . في نهاية السنة يسعى الجميع كل من موقعه لإنجاح هذه اللحظات الاجتماعية بامتياز فيتجند لها مجموعة من الأصدقاء في مبادرات نبيلة من أجل توديع ثلة من الأصدقاء بعدا قضوا ردحا من الزمن بين أركان مكان يصعب نسيانه لأنه بكل بساطة يضم ذكريات حميمية .لن أنس إحدى هذه الصور التي أثرت في لدرجة تساءلت ماسر هذا التأثر وماهي دواعيه دون أن أجد لها تفسيرا محددا ؟ فجالت بخاطري عدة أحداث مرتبكة وغير مرتبة قلت مع نفسي كم كنت عبثيا لأبعد الحدود في تدبير بعض المحطات لن تتح لك الفرصة مرة أخرى لترتيبها .هكذا الأيام تمر دون رجوع وماعليك إلا الإعتراف بها كإبن شرعي وتصحيح ماتبقى .
دخلت عليه المكتب وهو يوضب الملفات كعادته .لأنه لايقبل أن يترك مكانه بعد رحيله تعمه الفوضى .عهدته مواظبا على العمل متواجدا في مكتبه بشكل رسمي . يفرض على الزائر الاحترام من خلال طريقته في الحوار وترتيبه للملفات . الجميع يشهد له بالكفاءة في مجال تخصصه . القيت إليه السلام فنظر إلي مبتسما وهو يرد التحيةطالبا مني الجلوس . تبين لي من خلال حركاته دون علمي بالموضوع أنه سيحال على التقاعد . أحسست من نظراته المتثاقلة إن لم أقل الذابلة وهو يمعن النظر في كل أرجاءالمكان ويلقي نظرته الأخيرة نظرة وداع ممزوجة بشعور لم يقو على إخفائه .أردت متعمدا خلق جو من الجلبة لعلي استطيع طردالصمت الرهيب ومشاعر الحزن التي خيمت على المكان بتوجيه كلمة مقتضبة ركزت فيها على إيجابية القرار وسعادة اللحظة “هنيئا لك بنهاية مسارك المهني الحافل بالإنجازات لقد أصبحت حرا من الالتزامات .لاتتصور فرحتي بهذه اللحظة .”
ابتسم ابتسامته الخفيفة محاولا أن يبادلني نفس المشاعر وعيناه غرورقتا بالدموع في مشهد مؤثر لايقاوم . فقال :
“لقد سرقت أعمارنا منا دون أن نلتفت وهانحن نقف على أعتاب العقد السادس ونيف .”
أجبته على الفور ” هون عليك يا أخي فما أسعد اللحظة التي تجد نفسك قدمت فيها مسارا حافلا .فماضاعت منك أيامك ولا سرقت . هنيئا لكم مرة اخرى بتقاعدكم متمنيا لكم موفور الصحة والعافية . ولتنعم بالسعادة مع الاسرة تحياتي ”
ذ ادريس المغلشي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *