الرئيسية / 24 ساعة / أية سياحة نريد قراءة في الراهن الأمني

أية سياحة نريد قراءة في الراهن الأمني

بقلم : ذ محمد السعيد مازغ
أصبحت أخبار الاعتداء على السياح بمدينة مراكش لغزا محيرا يدفع إلى
التساؤل عن السر في عدم القدرة على التحكم في الشارع، رغم الأجهزة
الأمنية باختلاف مراتبها واختصاصاتها.. رغم الكاميرات التي كلفت الخزينة
ميزانية كبيرة من أجل اقتنائها وتشغيلها.. رغم الفرقة الأمنية المتخصصة
في المعلوميات، والمتجمدة ساعات طوال أمام شاشات الكومبيوترات، تراقب ما
يجري، وتتواصل مع باقي الأجهزة من أجل التدخل أو المباغثة.. رغم جهاز
سياحي يتضمن أجود العناصر الشابة، والدراجات والسيارات..،  رغم السمعة
العالمية التي دفعت بالعديد من الدول الاستفادة من التجربة المغربية ومن
خبرات الامن المغربي ويقظته وعملياته الاستباقية
الشجرة التي تخفي الغابة
إمكانيات مادية وأجهزة متطورة، وموارد بشرية مؤهلة، وحوادث مؤلمة تضرب في
العمق السياحة الوطنية، والاقتصاد الوطني، وتبخس كل المجهودات المبذولة،
و هذا لا يعني التقليل من أهمية الأمن ودوره الريادي في استثباب الأمن،
فيكفي الإشارة إلى أنه خلال الفترة الرابطة ما بين فاتح شهر يونيو
المنصرم إلى غاية 26 يوليوز الجاري تمكنت الفرقة السياحية من ايقاف 628
شخصا من أجل جنحة انتحال صفة مرشد سياحي، و65 شخصا من أجل الاشتباه في
التعاطي للسرقات، و12 شخصا من أجل مضايقة السياح، و 10 أشخاص مبحوث عنهم
لتورطهم في قضايا قانونية مختلفة، و 06 أشخاص متحوزين بأسلحة بيضاء في
ظروف مشبوهة و 40 شخصا من أجل العنف المتبادل..،وقد يغطي حادث إجرامي
واحد، على مئات التدخلات الناجحة، وتكون آثاره السلبية أشد وقعا وإثارة
وتداولا داخل الاوساط الشعبية، مع ما يترتب عن ذلك من خوف وريبة واستنزاف
للجهد والتشكيك في نجاعة الخطط المرسومة للحد من الجرائم، وسرقات الخطف
بواسطة الدراجات النارية واستهداف السياح على الخصوص.
أغلب الظن، أن الإشكالية أعمق مما نتصور، ويسود الإنطباع أن الشجرة
الملتفة الأغصان تخفي خلفها غابة مترامية الأطراف، تتداخل فيها الخيوط
وتتحكم فيها أطراف متعددة، منها من في الواجهة، يتخبط كمن أصيب بالمسّ ،
ولا يجد آذانا صاغية تتفهم معاناته، وتمتلك آليات العلاج وسلطة القرار،
ومنها المحاطة بالأسوار، غارقة في المحاضر والتقارير اليومية، ولا تجد
بدورها الوقت الكافي للجلوس مع كل المكونات من أجل المسك بجميع الخيوط
المنفلثة، وإخضاع الآراء والمقترحات للتمحيص والدراسة والتجريب، إلى جانب
إكراهات الإمكانيات المادية التي بدونها لا يمكن إصلاح أعطاب بعض
الأجهزة، أو استبدال المتهالك منها، وتعزيز الإدارة بكل الوسائل الحديثة
التي من شأنها تحفيف العبء، وضمان الجودة.
هذه الفئة تقتصر على ما لديها من خبرة و ما توفر لديها من وسائل، وما
خلصت اليه من اجتهادات فتبادر بالتنسيق مع باقي المناطق الامنية من اجل
تدبير الخصاص، وتغطية شاملة للمرافق وكل المجالات التابعة لنفوذها،  ومن
الأطراف أيضا من تعد الأيام عدّا، بما فيها احتساب العطل والأيام التي لم
تستفد منها خلال ممارستها العملية، عساها تقرب المسافة إلى معاش يجنبها
وجع الدماغ، وينشلها من مهام محفوفة بالمخاطر، لا ينجو من متاعبها الكبير
ولا الصغير ، حيث يوحدهم دعاء واحد ، وأمل في ” أن ينتهي ما تبقى من عمر
الوظيفة العمومية على خير” ، وتنتهي الخدمة بسلام.
يبقى السؤال مطروحا، أين يكمن الخلل؟
وما هي الحلول الممكنة لاسترجاع هيبة الدولة، وإجبار الجميع على احترام
القوانين وحقوق الانسان !!؟
طبيعي أن استفحال الجريمة، وتعاطي بعض الشباب للسرقة لم يأت من فراغ،
وإنما يعود لمجموعة من العوامل المختلفة التي يتداخل فيها الذاتي
بالموضوعي ليشكلا معا شخصية مضطربة مهيأة للفعل الإجرامي، مستعدة لتحمل
كل ما يترتب عنه من ملاحقات قضائية، وعقوبات سجنية، وغرامات مالية ..
علما أن الجرائم المرتكبة لا تكون دائما لأسباب قاهرة، ناتجة عن شعور
بالظلم، وإحساس بالإنتقام، ولكن الدراسات تؤكد أن أغلب الجرائم تتم
لأسباب تافهة، ومع ذلك تكتسي طابعا وحشيا، غير معهود في المجتمع المغربي
ويرجع أغلبها إلى الإضطرابات النفسية والسلوكية التي تشكل شحنة كبيرة من
الكبث والقهر المزمن فيتم تفريغها لأتفه الأسباب، ولا يستثني من شرارتها
حتى الأصول والأقارب والجيران..
وللاشارة فقط فإن الاضطرابات في السلوكات تكون ناتجة إما عن فشل دراسي أو
علائقي أو مهني أو… الخ. وهي بمثابة ترسبات داخل عبوة، تتولد عنها شحنات
انفعالية، تدفع في اتجاه الانتقام والعدوانية ومقت الآخرين، وحب الانتصار
للذات، وعدم الإكثرات لما يترتب عن الفعل الاجرامي من مآسي وانعكاسات قد
تتجاوز أحيانا حدود مدينة مراكش، لتتحول الى قضية عالمية تتداولها
الصحافة الاجنبية، ويجتهد بعضها في تأليب الرأي العام، والسعي إلى تخريب
السياحة وتخويف السياح من السفر الى المغرب ولمدينة مراكش على الخصوص.
وندرج مثالا حيا ، ما وقع لسائحة ألمانية قبل أيام قليلة، حيث تعرضت
للسرقة عبر الخطف  من طرف لصين كانا يمتطيان دراجة نارية ولاذا بالفرار،
كان بحقيبة السائحة ورقة نقذية من فئة 50 أورو، وجواز وتذكرة سفر،
ومجموعة من الوثائق الخاصة، المأساة لم تتوقف في حدود فعل السرقة المؤدية
إلى كسر على مستوى ذراع السائحة ونقلها إلى المصحة الدولية من أجل تلقي
العلاج، ولكن في كون السائحة كانت على وشك السفر في اليوم الموالي، وبدلا
من أن تصل إلى دولتها سعيدة بزيارتها للمغرب، وبما وفر لها من حسن
الضيافة، ومن حفاوة الاستقبال، وجدت نفسها ممدة على سرير المصحة، تشكو
ألمها، وتنذب حظها العاثر الذي قادها الى الجحيم.
المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي
من الأسباب الحقيقية أيضا ضعف الوازع الديني ، والفهم المنحرف لبعض قواعد
الدين إلى الجهل التام بمبادئه وتوجيهاته، وهو الجهل المؤدي بدوره إلى
الاختلال في القيم الأخلاقية والسلوكية التي تفضي إلى أنماط من شخصيات
غير سوية ميَّالة إلى الإنحراف، وإلى العنف وكراهية الغير، في مقابل تضخم
الذات  وحب الزعامة، وما جريمة مطعم أركانة بقلب ساحة جامع الفنا،،
وجريمة إمليل نواحي مراكش سوى نقطة من بين النقط الإجرامية الارهابية
التي تستأثر باهتمام عالمي، وتسيل تداعياتها الكثير من المداد، وتكشف على
أن المقاربة الأمنية وحدها لا يمكن اعتمادها من أجل اجتثات الظواهر
المعقدة مثل التطرف والإرهاب، وأن عددا من الشرائح المجتمعية في حاجة
ماسة إلى التوعية والتحسيس، وتصحيح مجموعة من المفاهيم الخاطئة والأفكار
العدمية التي تمس بأمن وسلامة الأفراد والجماعات ولا تحترم حق الاختلاف
وحرية الرأي والتعبير.
ما هو الحل إذن “
لست خبيرا أمنيا، ولا ضالعا في علم النفس والإجتماع، وإنما أنا مجرد
إعلامي يجتهد حبا في المساهمة في تنوير الرأي العام، وتسليط الضوء على
ظاهرة أضحت مخيفة ومتشعبة، تحظى بشجب جماعي، ورفض مجتمعي، ولكن الرفض
وحده لا يجدي في بثر السرطان من جدوره، في غياب سياسة حكومية ناجعة
لتشغيل الشباب، وتأهيلهم للحياة الاجتماعية والمهنية، والتخفيف من وطأة
البطالة والعطالة واليأس،
ومحاربة الجهل والأمية، واعتماد مقاربة جادة للحد من انتشار المخدرات
والخمور والحبوب المهلوسة، والتشديد في العقوبات بحيث تكون بحجم الجريمة
وبشاعتها ردعا للمعتدين وحفاظا على السلم الاجتماعي ، واستثناء عتاة
المجرمين من ظروف التخفيف والعفو ، مع  تطوير آليات المرافقة والاحاطة
النفسية والاجتماعية لضحايا هذه الاعتداءات. كما يتطلب ذلك، الجِدِّيةُ
في المعالجةِ والمبادرةُ في الحزمِ في تطويقِ هذه الممارسات الخاطئة،
ومعاقبةُ الجُناةِ ، علما أن الجناة ليسوا دائما هذه الشريحة التي أجبرها
وضعها الإجتماعي والبيئي، وسياسات الفوارق المجتمعية الشاسعة التي بقدر
ما تغدق على البعض حد الثخمة بقدر ما تفقر البعض الآخر الى حد الافلاس
والجنون. فتجده يأكل من الفضلات، ويفترش الثرى، ويحرم من أبسط الحقوق،
فالجناة أيضا من يبيعون ضميرهم من أجل المال، ويساهمون في استفحال ظاهرة
الرشوة، وتشجيع المنكر، وتكريس الدونية والإحساس بالظلم و الغبن وسياسة
القوي الذي يهضم حقوق الضعيف، ولا يجد الآخر من يناصره ويحميه، فيلجأ إلى
كل الوسائل التي يسترد بها كرامته، ولو كانت على حساب قضاء ما تبقى من
عمره بين القضبان، أو وضع المشنقة حول رقبته.
وعلى المستوى المحلي ضرورة مراجعة نظام العمل 3/8 المعمول به، وأيضا 2/8
، لما يترتب عنهما من إرهاق وتعب، خاصة العناصر التي تتحمل المهام
الشاقة، وإعادة النظر في مناطق التركيز، وأيضا في السيارات الأمنية
المتوقفة في نقطة واحدة بدل من السماح لها بتغطية شاملة لمنطقة معينة.
إعادة النظر في اسلوب الاشتغال لذى بعض الدوائر الأمنية وطريقة استقبالها
للمواطن، فتعدد المهام داخل الدائرة وخارجها، تعطل مصالح المواطن، وتجبره
على التردد على المصلحة عدة مرات، بدعوى وجود المسؤول في مهمة خارج
الدائرة ، أو في عطلة…، دون أن توفر الادارة من يقوم مقامه عند غيابه،
وتكرس مفهوم خدمة الإدارة للمواطن وتقريبها منه.
إيجاد حلول لمئات الشكايات التي يتم الاحتفاظ بها داخل الدوائر، ولا تتم
معالجتها بالشكل المطلوب، لدرجة أصبح بعض المواطنين يتحنبون وضع
شكاياتتهم في دوائرهم الأمنية، لأنها لا تلقى الاهتمام الكافي، ولا تؤخذ
فيها الاجراءات الضرورية اللازمة
ـ تشديد العقوبات على كل من يحمل سلاحا أبيضا، او يستعمله في الاعتداء
على الغير، أو إشهار السيوف والسكاكين حتى في حفلات الرقص كما تتناقله
الفيديوهات قنوات التواصل الاجتماعي.
عدم اقتصار ولاية أمن مراكش على التشاور مع رؤساء المصالح فقط،
والاستعانة كذلك باقتراحات وآراء كل العناصر العاملة في الميدان، إلى
جانب السلطات المحلية والقوات المساعدة، والتنسيق في مجموعة من القضايا
الخاصة بأمن وسلامة السائح.
وضع خلية التشاور والتتبع، تجمع المختصين فيما بينهم، كأخصائيي علم
الاجتماع، علم النفس، رجال القانون، المتخصصين في الاقتصاد، رجال
التعليم، رجال الدين، رجال أعمال، منتخبون، وحراس الأمن الخاص، جمعيات
المجتمع المدني، الشباب ، ورجال الأمن …
تأهيل السجون، وتحويلها إلى ميدان للمعرفة ومطاردة الجهل، ومصحة للعلاج
النفسي والادمان، وورشة لتمكين السجناء من اكتساب مهارات حرفية وفنية
وإبراز طاقاتهم الإبداعية وتوفير فرص عمل لهم بما يتيح تعزيز ثقتهم
بأنفسهم وقدرتهم على الاندماج بالمجتمع بعد الإفراج عنهم، مع تفعيل آليات
التتبع والمصاحبة الى غاية تحقيق النتائج المنشودة ))ّ
وأخيرا استشعارِ المسؤوليةِ، والسعي لمحاصرةِ كل الظواهرِ المشينة، ووضع
الثقة في الكفاءات الأمنية، وقدرتها على تجاوز العقبات، والتغلب على
التحديات، واعتبار الأمن مسؤولية جماعية، وهو  المقياس الذي يقاس به
مفهومُ المواطنةِ الصالحةِ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *