الرئيسية / 24 ساعة / ارتسامات عابرة. أو عودة العشق لحضن الكتابة

ارتسامات عابرة. أو عودة العشق لحضن الكتابة

لا أدري ماسر هذا العشق الذي لاينته ، ياسرني لمدة تفوق عقدا من الزمن ، ذكرياته لازالت موشومة في ذاكرتي تحاصرني كلما خلوت بنفسي أحصي أيامها في تقييم عابر يستجلي حقيقة دوري في هذه الحياة ،والتي علمتني أن الإعتماد على النفس والقسوة وضنك العيش لاتصنع إلا الرجال الذين لايمدون أيديهم للآخر تسولا وهم يتدورون جوعا بل يبادرون بالعمل مهما كلف الأمر ضمانا للقمة العيش ولايبحثون سوى عما يسدون به الرمق من عرق جبينهم ومن كد سواعدهم ،هكذا تربى هذا الجيل وهكذا نشأ. جيل تعلم منذ الصغر الإعتماد على النفس وألا يتكل على الغير.
حين غادرت بيت العائلة وجدت نفسي مكرها وأنا أقف مودعا لبعض كتبي التي كثيرا ماكانت ملازمة لي فوق أريكة قرب وسادة نومي ،فارقتها كمن يودع حبيبا. لا أعلم ما الوجهة التي سأحل بها للعمل لكنني كنت متيقنا أن مدة الفراق ستطول ولن تكون كما في السابق اثناء العطل الصيفية. تستهويك القراءة لحد التيه ولا تحدد لها مكانا ولازمانا. ستغيب عنك للحظة ،لكن حتما ستعود.
عشت في أرياف بعيدة عن مسقط رأسي مسافتها تبعد بساعات طوال لايجبرها سوى النوم وكأنني ألوذ به لعله يعفيني من إحصاء الكيلومترات وعدد المدن والقرى والقناطر وعلامات التشوير ولكثرة سنوات الغربة كلما تغير شيء في المسار إلا ولاحظته. متعب ورأس تبحث عن مكان تطمئن إليه فتتقاذفها رجات حافلة كأمواج عاثية كلما اجتازت طرق ملتوية وعرة وصعبة لدرجة مخيفة و مقلقة.
عشت غريب الأطوار في مكان أحاول فيه تأسيس علاقات محدودة ،لم يكن فيها مايجعلك تغير من نمط عيشك ،كنت ابقى أدور وألف الأيام بتكرار وروتين مقيت ،أحصيها على ظهر ورقة مهملة على درج مكتب ، كان يسميها زميلي أحمد القادم من الجنوب الشرقي ضاحكا :
“ماهذه الخربشات يارفيقي ؟
لماذا تتعب نفسك في عد السراب ؟
فتلك تشطيبات عشرية على حائط زنزانة معزولة ومتروكة في ركن بيت مهترئ تحصي الأنفاس ،أترك الأيام يارفيقي تجري كما تريد ففي هذه الرقعة من الوطن لا مكان فيها للزمن لقد وقف وتعطلت عقارب الساعة .
أخرج من مخيلتك يومية الحائط ، وساعة إلكترونية بها منبه تصاحبه رنة سحرية نفاخربها أمام أبناء القرية لنتمايز بمستوانا الإجتماعي.فلا دقات هنا سوى للعطب ومادمنا لانملك سوى الرفض فلنقابلها بكل ألوان وأساليب السخرية ولتذهب إلى الجحيم …!
اترك الزمن…! لأنه بكل بساطة لم يسعفنا لحظة حتى نهتم به.عالج الأزمة بالنسيان وفي كثير من الأحيان بالتجاهل ”
كانت لازمته هاته تتكرر على مسامعي ، فبقدرما كانت تستفزني وتدفعني لكثير من الأسئلة كنت أقف مشدوها أمام طريقته في الكلام وأمام ثورته الصامتة على الوضع. وكنت أطرح على نفسي أسئلة لا تتوقف.
هل قدرنا أن نتعايش مع الفراغ بأن نكيل له سيلا من اللعنات تعبيرا عن الرفض ؟
أم نثور عليه بكل الوسائل حتى لا نستسلم له دون محاولات. نحتاج لخوض تجربة المواجهة إلى عزيمة فولاذية.وطول نفس لاينقطع.
تنشرح أساريري كلما تناقصت الأيام وأنا أرمق بعينين جاحظتين لائحة العطل فأمني النفس بلحظة فرح أزور فيها البلدة والعائلة. فيعكر صفو هذه اللحظة الحميمية عندما نبحث سويا عما نقتني به مايلزم لوجبة آخر الليل . فأخرج من محفظة جيب صغيرة ممزقة لم يبق بها سوى دريهمات معدودات لاتكفينا لضمان عشاء ليلة واحدة ،لكننا كنا في إطار التضامن نعد وجبة الغلابة السريعة الإعداد
“البيض أوماطيشة ” ونحن نتحسس رائحتها بعشق ونهم منقطع النظير من بعيد بعدما استبد بنا الجوع الكافر. وتكتمل الفرحة حين تسمع بانسياب كبير أغاني الشيخ إمام وفؤاد نجم مجلجلة تقرع أشعارها أنظمة استبدادية بكلمات ثورية فتكتمل الصورة في شكلها المتواضع وأنت جالس على حصير وغطاء من النوع الرديء. فتبادل الوضع بكثير من الوفاء إننا في زمن لانجد صعوبة في التأقلم معه لأننا بكل بساطة لم نأت من أحياء راقية ولم نولد وفي فمنا ملعقة ذهبية. نحن أبناء الأحياء الشعبية مستعدون أن نواجه كل هذه الظروف مهما علت درجة قسوتها لقد جبلنا على شظف العيش وقادرين على ممارسة فن المقاومة. صحيح نمارس شغبنا الطفولي ونخوض مغامرات لملإ الفراغ القاتل هروبا من واقع يشبه لحد بعيد جحيما لم تره عيني قط. لكنني متأكد في قرارة نفسي . أنني سأخوض حربا ضده. (يتبع)
ذ ادريس المغلشي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *