الرئيسية / 24 ساعة / اقْتراف ..واعْتراف من بوح الجرح العربي

اقْتراف ..واعْتراف من بوح الجرح العربي

أنا العربي أعترف اليوم بعجزي وأُقرُّ بألقابي وصفاتي المُخْجِلة : عربي همجي – فوضوي – شهواني – غبي – شقي – مزاجي – دموي – انفعالي -اتكالي …
لقد صرت اليومَ قاموسا غنيا بمفردات الوساخة والندالة ، وصرت عَارِيا من كل أبجديات التدبير السليم ، والتسيير الحكيم ، ووصلت حدَّ العجز في أن أحدث فعل التفكير، ناهيك عن اسم التغيير ، كل شيء من حولي ألمس فيه رداءتي :
افكاري المشتتة والمظطربة ، طموحاتي المحدودة ، أزقتي وشوارعي المتسخة ، ملابسي المتهلهلة ، مساكني المتهالكة ، مساجدي شبه الخاوية ، حاناتي ومراقصي العامرة ، مدارسي السَّابتة ، وتكاليف معيشتي وتطبيبي غير المتيسرة و الباهضة، رداءة طالت حتى ابنائي وشباب أمتي الذين من هول الفراغ والبطالة توزعوا بين عشاق للانحراف والانجراف والاعتكاف ،اما المسؤولون عن رداءة طقس حالي واحوالي ، فهم غارقون في النوم واللهو والعبث .وهكذا تقهقر حالي وصار لي القاب وصفات قرينة بالعربي ( العروبي )؛ المسكين المستكين ، المسالم والمستسلم و الناشز والعاجز .
صار كل شيء من حولي يتجاهلني ويُخاصمني ،ويُعاديني: التراب والماء ، والضباب والهواء والنماء والرجاء ، لم ييق لي ، انتصاب ، ولا نصيب، لا في الارض ولا في السماء ..

صرت كالبَعير الأجْرب ، كِبَار الأمم تبعدني وتَنهرني ، و وصغارها تَتَجنَّبُني وتتحاشاني .. فقدت الامل في شفائي ، وقبلها في رجولتي وفُحولتي ، وبعولتي ، حتى أنني لم أعد أقْربُ( نَاقتي )الشمطاء صُحبةً او رغبةً، بل آتيها ببهيميَّة جارفةٍ ، خاليةٍ من كل عشق و هيام ، وكانت النتيجة ان ماتت بيننا كل مشاعر الحب والعطاء ،و عَنِتَتْ نُطَفي وفسدت ، وتَبَلَّدت ، وبعد ان شاخت تَاهَت حتى علقت ببويضتها المستعبَدة ، وصار يأتي من صُلبي :الولد الرقيع والوضيع ،والمهبول والمخبول ، والناقم والظالم ، والجارح والطالح ..ولم أعد قادرا على الاتيان بالنسل الصالح ..
لعلها لعنة من السماء.

انا العربي العاجز أعترف اليوم ؛ انه لم يعد في أغصانيي أوراق تُزهِر ، ولا بين فجاجي رياح تُعصِر ، صرت كفزاعة الحقل التي اكتشفتها صغار العصافير ،فصاروا بها عابثين..
لم يبق من كينونتي الا ثلاثُ ثُقب ، لا يصدر عنها سوى النتانة ، منها فَم لَوَّاكٌ نَتِنٌ ، وقَضيبٌ شهواني عَفِن ، ومَخرَج حيواني نَجِس .. فانحَسَر بصري ، وانحَصرتْ بصيرتي بين أكل ، وانتصاب وتفريغ ..فانحدر بي المقام من مرتبة الانسان العاقل المكلف الى مرتبة الحيوان .
اشغر اليوم ان صلاحيتي البشرية قد انتهت واني اصبحت منتوجا غير صالح للاستعمال ،و صرت عارا وخزيا ومسخا في سجلات التاريخ والقيم ، وعيبا يُشوه جغرافية الشعوب والامم ، وعِبْئا وضررا على البيئة . وصرت جيفة تعافها الضباع قبل السباع .

انا الامةًالعربية العاجزة ، والنغمة الناشزة عن مثيلاتها ، ظننت اني سأسعد لاني امتلك القرآن الأمجد ، ورسالة محمد ، وبين جوانبي كعبة وحجر أسعد ، لكني شقيت حين لقيت تحت هذا الارث بترولا أسود حارقا ومحرقا ، فانساني الامجد والاحمد ، وانشغلت بالسائل الاسود ، عن الامر الاوحد ، و حين صار لي سلطانه ، أشعلت به نيران التطاحنات ، ومولت من عائداته كل الصراعات ، والمؤامرات.فما نفعت ولا انتفعت. بل أحرقت ودمرت وأَخَّرت وتأخرت .
فانا اليوم بغروري وجهلي وبلادتي أنسج وأفتل حبل مشنقتي ،وقد يشهد نهايتي ذاك الشيطان الذي طالما اوسعته ضربا ورميا بسبع جمرات.

مراكش محمد خلوقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *