الرئيسية / 24 ساعة / حارة الحشاشين ( 3)

حارة الحشاشين ( 3)

يحكى والعهدة على الراوي .
أن شابا يافعا يكنى “لغمامي” من عائلة محافظة عاش طفولته كباقي اقرانه في طرف الحي السفلي . يقضي يومه منشغلا بالدراسة حيث اختار له أبوه مدرسة تبعد عن مقر السكنى بأميال رغم وجود مدرستين متجاورتين لايفصل بينهما سوى خطوات قليلة وكأنه يعلمه أن الأهداف النبيلة تحتاج لمشقة وتعب ومجهود كبير . يحلو له في أوقات الفراغ اللعب بهوامش الحي بالحديقة التي كثيرا ما يتسلى مع رفاقه في مغامرة جديدة لقطف الغلال في غفلة من العساس الذي يجيد إصابة أحد الجناة بعصاه السحرية ليسقط غير بعيد . وكم يؤلمنا ويزيد من خوفنا حين ننتظر من تأخر من الهاريين وهو يقفز برجل واحدة بعدما أصيبت الأخرى إصابة بليغة . لاتثنينا هذه المشاهد الرهيبة على إعادة الكرة مرات عديدة ونحن ننشد التسلية والمغامرة دون تقدير لخطورة الفعل .
خاض ” لغمامي” تجربة الإعتماد على النفس منذ نعومة أظافره وهو ينتقل بين الدروب والأزقة والأسواق ذهابا وإيابا .لازال يتذكر وهو صغيرحين كان يدرس بالإعدادي كيف يستيقظ في بعض الأحيان متأخرا عن موعد الدراسة لسبب بسيط أن بطارية ساعة الديك لم تسعفه المرة الأخيرة في ضبط زمانه فخانته في لحظة حرجة ليحمل محفظته بخفة دون تناول وجبة الفطور رغم إصرار أمه هي تنادي عليه فيسرع الخطى جريا إلى المدرسة وحين يعيق نعله حركاته يطويه تحت إبطه ويجري حافي القدمين ليجد باب المؤسسة مغلقا فيقفز من حائطها الذي جعله بعض المتأخرين وما أكثرهم ملاذا وسلما يحميهم من جبروث الإداري . يتكون المنفذ من بعض الثقوب التي رسمت بعناية لتؤدي دورها فتغطى بالإسمنت من طرف الإدارة ويعاد حفرها وهكذا دواليك. يلج الفصل وحركات تنفسه من شدة الجري لاتكاد تتوقف أو توصف.
تعلم من أبيه كيف يؤمن مساره لقد كان عصاميا في كل شيء انطلق من الصفر وكان طموحه أن يوفر لأولاده مسكنا تستقر فيه العائلة . يمارس التجارة لقد كانت شغله الشاغل. يحكي على انفراد في سمر ليلي تجربته الصعبة وكيف استطاع أن يروض بعض مناحي الحياة وينتصر عليها في أحلك الظروف. فرغم يتمه لم يستسلم خاض تجربة مريرة. كانت فصولها رغم شقاوتها تشكل متنفسا للإستئناس لطفل في ريعان شبابه يتابع بشغف كيف ينتصر أصحاب العزيمة القوية على شقاوة الأيام .
“لغمامي “وهو يتقاسم وجبة عشاء على انفراد بعدما اختار البقاء مع أبيه بينما سافر الجميع في عطلة صيفية موزعة بين البادية وشاطئ البحر .كلما اقترب الأب من نهاية جزء من سيرته الذاتية سأله “لغمامي” بشغف وحب طفولي مستدرجا لمعرفة البقية فينهي الأب الحكي “لقد سرقنا الوقت وعلينا أن ننام مبكرا حتى نتمكن من صلاة الفجر ، انهض بدون تأخر ياولدي. تصبح على خير …!”
كل هذه الظروف مكنت “لغمامي من فرض شخصيته على أقرانه. لقد استطاع أن يزاوج بين رياضته المفضلة كرة القدم والدراسة وسط بيئة انتشرت فيها المخدرات بشكل ملفت جعلت الشرطة تزورها في كل وقت وحين وأصبح المكان يضيق بأهله ففي كل لحظة تظهر خلافات هنا ومعارك هناك حول هذه المادة المسمومة مما شكل فرصة سانحة لحصة من الفرجة تتعالى فيها الأصوات بين مؤيد ومعارض . يفر الجمع من ناصية الزقاق الفرعي فور علمهم بالزيارة المفاجئة “لأصحاب الحال” كما يحلو للبعض تسميتهم .مطاردات هوليودية وضبط لحالات ونشوة البعض فرحا لعدم سقوطه في قبضتهم .لكنها تبدو مؤقتة مادامت أعين المخبرين لاتنام تترصده في كل وقت وحين .
يعلم جيدا أن حارة الحشاشين لامكان فيها للضعيف فهي تعيش بين بطش أفراد الحي السفلي وسلطة الحي العلوي. ليس بالسهل أن تفرض وجودك في مثل هكذا موقع .لقد أصبح إسمه مشاعا في حيه والأحياء المجاورة بعد أن تمكن من بسط سيطرته على الحي على الأقل بين أقرانه وهي صفة لايمكن أن تحوزها إن لم تكن تتمتع ببنية وقدرة على التفكير تجعل منك فتوة قادرة على حماية حقوق الآخرين .وهو أمر ليس بالسهل فأنت تحتاج أيضا لانتزاع احترام أبناء الأعيان وهو أمر لايأتي إلا بركوب مغامرات يصعب أن يجاريك فيها أحد من كلا الطرفين .فعلا “لغمامي” شخصية بصمت وجودها في حارة الحشاشين كباقي الأماكن في المدينة العتيقة مادامت كل الحارات شهدت أسماء اشتهرت بها . وتبقى الحكاية مستمرة ومفتوحة على مشاهد أخرى مغرية بالمتابعة قد نعود إليها في أي وقت لاحق .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *