الرئيسية / 24 ساعة / طَلْعَة جَدِيدَة في أُفُقِ الكُتُبِيين

طَلْعَة جَدِيدَة في أُفُقِ الكُتُبِيين

…ومنارُها العَلم في الفلاة و منزلته في المآذن، منزلة والي الولاة…
لسان الدين بن الخطيب

عمَّرت مراكش ما يقرب من ألف عامٍ، وقد دشَّنت تاريخها في موقع الكتبيين، هذه البقعة العتيقة التعظيم: أمرأكش. “يفيدنا ميرسيا إلياد أن البقعة المقدسة تنشأ على غرار قطيعة بين المستويات، قطيعة تجعل الاتصال بالحقائق الروحية ممكنا ” إلا أنه لا يوجد بين أيدينا ما ينبئنا ببدء شأن تقديس الموقع لدى البربر القدامى، وكيف حمًّلوه بوظيفته الروحية العظمى. ويبقى في الكثير من الأحيان أن المعنى الأصلي لمثل هاته البقع قد تغير بعمقٍ. حاصله أنَّ المرابطين الماهدين قصدوا المكان وجعلوه مركزاً يُحيي فيه الملك رسومه من جديد. كانت الحواضر الملكية تنشأ دوائرها شبيهة بالوجود والملك تُرجمانه يرمز إلى قطبه الذي عليه مداره. وها هو قبر يوسف بن تاشفين الملكي ماثلاً أمام أعيننا وحضوره على بعد خطىً قد يوحي بذلك. فالفضاء أو الموقع المعظم كالذي توجد به الكتبية لا صلة له بالفضاء المادي للهندسة الحسيَّة. وأمَّا من جاؤوا بعد ملك يوسف وذويه فقد جعلوا كل هذه القوة الروحية في جامع الكتبيين الأعظم وجلّلوه بها لمَّا صارت خلافة المعمور موحدية، والمنار الكتبي يحمل مجازاً سماء معانيها، ويركز حول عموده جامع عقيدة التوحيد. كل من الحكيم ابن طفيل والشاعر ابن الخطيب والسيَّاح ابن بطوطة وعلى آثارهما الشيخ الصوفي الغزواني، خلَّد على شاكلته ذكرى المنار الكتبي حتى أنَّ ولي مراكش الغزواني ترك لنا إحدى مرائيه الهائلة حيث رأى اسم مراكش وقد غرس في قلبه ألف التَّوحيد. فالألف أو المنار ينتصب عمودياً، حاملاً خيمة الوجود المعنوي لمراكش. المرغيتي شيخ العصر بدوره في زمنه بالقرن السابع عشر، يتَّخذ من الجامع معهداً ويُبهتُ جمع المصلين بخُطبه الجُمعية المُفعمة بمرائيه. حالياً تؤّدي “أجمل معلمةٍ في الشمال الإفريقي” وظيفتَها التعبُديَّة على الخصوص. إلاَّ أنَّ المركب الحضري الكُتبي يُعتبرُ كذلك، إن على الأقل ما يظهر منه للعيان، مجموعة من المعلمات التاريخية والبقايا الأثرية.وخبرُ هذا المجال المُميَّز من الجغرافيا القديمة نتمثله وكأنهُ سفينة من حجر رَسَت بجزيرة غرِيقة، توارت في الحِسِّ وفي المعنى. فالمآثرُ والمباني التي تلاحقت خلال ألفية من العمل الحضري وتراكمت تشهدُ على التحولات التي عاشها هذا الموقعُ الأولي. والشاهدُ أن الجامع ينتصبُ وحيداً دون البقية من أضرابه الغابرة، فأين الجامعُ المُهدَّم ومقصُورته العجيبة؟ وأين قصرُ الحجر معلمةُ يوسف وقصرُ ولدِهِ علي وأين رياضُ علي أولُ رياضٍ من جنسه عُثر عليه بالمغارب وأين قلعةُ يوسف و ما مآلُ المطفية والحمَّامُ المعدُوم والجنَانَاتُ التاريخية؟ فَتِعدَادُ القصُورِ الملكية قد يطول وما انضافَ إليهاَ منَ المُنيَات الأَمِيريَّة برياضاتها وخزاناتها المُمتلئة بالعجَبِ منَ الكُتُبِ والمنازِلِ الفخمةِ والبسيطةِ التي شمِلها الخَرَاب ومُحِيَت رُسومُهاَ ولم يبق منها إلاَّ وَشمُهَا على ظاهرِ الموقعِ أو تحت رُكامِ الأَترِبة. وبحسَبِ التقسيم الحضري الأصلي فإنَّ حي الكتبيين يُمثلُ مركز الدائرة من الجانبِ الغربي للمدينةِ العتيقةِ، إلاَّ أنَّ هذا التقسيم لاَ يُعتدُّ بنجاعتِهِ وأُنمُوذَجيتهِ في التقسيمِ الحضري الجديد، وبدورِهِ صارَ نَسياً مَنسِيَا. كان هذا الحي ممتداً من خلال دروبه وصَاباتهِ إلى حي القصور متشابكاً معه، واقع حالِ هذا النسيجُ القديم الحضري بِدورِهِ قَد ولَّى.ه
تذكار حقائقٍ مفرَّطٌ فيها
لننظرِ الآن في تسمية الكتبية الفريدة وقد نُحِتَت من الكلمة العربية الكتبيين، محترفِي الكُتب. فالتسمية تحيلُ على وجودٍ فعلي لرواق نُسيَ بدوره وإختفى بل غارَ في ثنايا الذاكرة الثقافية للمغرب الكبير: نهجُ الكتبيين المطمور تحتَ رصيف باحةِ الكتبية الحالية. فحملةُ التنقيب الأثري (1958-1948) كشفت عن وجوده. فهَهُنا إحالةٌ سنيَّةٌّ وَحيدةٌ تُحيلُ على الكتاب وحِرَفهِ، هُجِرت مقبورةً تحت الثرى منذُ قرون خلَت. لا نعرِفُ لها مثيلاً في العمل الحضري في مجموع البلدان العربية، فقاعدة الخلافة الموحدية عرفت على التحقيق سوقا نافقة من صناعة الكتاب وتجارته دامت قرونا. ونذكر على سبيل المثال خزانة الخليفة وخزانات الأمراء ورجال الدولة، بل ومئات الخزانات الخاصة نصبت مراكش في الصف الأول من حيث إنتاج الكتب على المستوى العالمي في ذلك الزمن الوهاج من تاريخ المدينة. وتخبرنا السير عن وجود مئات الكتبيين بجنبات الجامع وبالطبع كلما انضاف إليها بالضرورة من مصانع ومحترفات كتب كالنساخين والوراقين والمزخرفين والمذهبين والمسفرين وجيش عرمرم من باعة الكتب ودلاليها…بل حتى جمَّاعات الكتب من الأعيان العاشقين في الكتب المتمهرين في اقتنائها وبذل الغالي والنفيس في البحث عنها وتملكها، سكنوا مراكش بحسب المؤرخ محمد بن عبد الملك المراكشي، كان بدوره ولوعا كلِفاً بالكتب النادرة الطراز في زيها ونعتها، البارعة الجمال في خطها و تسطيرها، يشتريها يتحين الفرص لحيازة تلك التي انتسخها أعلام الأدباء و أفذاذ العلماء. ه
فلنلاحظ اليوم أن ملحمة الكتب التي اتخذت مقرا لها تحت ظلال الجامع الكتبي حتى نعت بها، لم يبق منها أثر عدا ذكر خزانة الأمير العلوي مولاي علي في القرن التاسع عشر، فكانت بمثابة خيط دقّ كهلال الشك، ظهرمن بطولات زمن الإصلاح واختفى من جديد. ونذكر كذلك بعض الأجزاء من مصاحف شريفة في غاية البهاء والصنعة الرائقة انتسخت بالأندلس الموحدي وأنقذت من التلف رعيا لتحبيسها وحفظها في خزانة ابن يوسف العتيقة.ه
هل من مهمة جديدة لحي الكتبيين
نودُّ بعد هذه اللمحة أن نعمل النظر في حي الكتبية بحذافيره بصفته حومة حيةً حمّالةً لهذه الذاكرة الفضلى للكتاب وفنونه. نأمل في أن يجدد هذا الموقع رسومه ونتحفه بموصوله الثقافي والتاريخي، وتبرز فيه الصناعات الثقافية والخلاقة من جديد للعيان، تتقدمها صناعات الكتب. فالواقفون على الموقع يجدونه اليوم فاقد الذاكرة في قطيعة مع شأنه الحضري ولربما التاريخي. فمن الصعب أن نفرح لحالته حالياً. فلا ينبغي أن نحكم عليه بالجمود. يتراءى لنا وكأنه كثيف العمران بل هو على التحقيق أقل الأحياء كثافة بالمدينة العتيقة. فأين هي الإقتراحات السياحية؟ نكاد نعدمها فيه. فلنجهزه بِبُنى تحتية وبتشوير وخرائط وبمتاجر ومطاعم تفي بالشروط المرعية. ولما لا بزيارة عملية تعرِّفُ بالجامع الأعظم وبوظائفه الدينية والتراثية، يفتح أبوابه لمن يتساءل عن شأن الجامع، بل وبمركز تأويل يكشف للوافدين على البقعة الفريدة وعن وحدته الحضرية وذاكرته وحتى على قطبيته التي تقعدت بها قواعد عمران المدينة. ه
قولنا ههنا ينتصر لتدخلٍ قوي متعدد الغايات يحيط بكامل الحي. حديثنا نوجهه على إداريي المدينة، ندعوهم إلى مراجعة العقل الذي يضبط مجال الحي، لتعزيز القدرات الثقافية والسياحية بتوطينٍ مكثف لفنون الكتاب من جديد بهذا الحي. فهل سيبقى الحي معوّقاً في جماليته ومعناه بوجود جملة من المتاجر الكريهة المنظر بنهج ابن خلدون. فلا مكان اليوم إلاّ لحوانيت تتاجر بالخرسانة والزليج زهيد الثمن بهذا الحي العتيق التاريخي بالمدينة. ومن ناحية أخرى نجد وكأن عقيدةً عمرانيةً غريبةً تكبّل المجال وتحُولُ دون إزدهاره من جديد وتعدُّ كل إجتهادٍ أصيل هرطقة. فمنذ أن أقدم الباشا التهامي الكلاوي بإنشاء حي تجاري ومقاولاتي جديد جديرٍ بتطلعات المدينة ببداية القرن العشرين، أخلد الحي إلى غيبوبةٍ حضريةٍ. فقد مضى قرن من الزمن دون أن يعيد إداريو المدينة النظر بعمقٍ وجودة رأيٍ في مآلات الحي وفرادته. وكأن شيئاً يشلُّ النظر ويعيق إقتراح تشييد البنيان من جديد تحت ظلال جامع الكتبيين. نعم، يحسنُ بنا أن نلتزم بالمواثيق الحضرية وبحرمة البناية التاريخية لكن دونما كبح للإجتهاد الإحيائي للذاكرة الثقافية والتاريخية للكتبيين فالحي يستأهل منا أن نخصص له مهمةً غير مسبوقة كتلك التي عظمت بها مدينة باريس قلبها التاريخي. ه
إن هذه المهمة الإحيائية تعمل على تحويرٍ ثقافي واقتصادي وتجاري للمكان. فلنعيدها من جديد، يكمن هذا التحوير في تمكين من جديد للخزانات والمكتبات والوراقات والمنتسخات ومحترفات الخط العربي والتذهيب والزخرفة والتسفير، نضيف إليها حِرفاً ونشاطات تجارية وخدماتية تنظم الوفود السياحية. فعلى هذه الشاكلة تبلغ المنجزات الفريدة التي يقدمها جلالة الملك محمد السادس للمدينة العتيقة مداها على أرض هذه البقعة المعظمة في مسالك الروح والعمل الثقافي المتوسطي.ه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *