الرئيسية / 24 ساعة / مقتطف من يوميات معلم في قرية نائية حين تسقط النجوم في حضن العاشق.(2)

مقتطف من يوميات معلم في قرية نائية حين تسقط النجوم في حضن العاشق.(2)

حين تهاجر بعيدا مكرها عن مسقط رأسك لوجهة لم تخترها ولم تجل بخاطرك قط ،بل لم تستحضرها ذات يوم في خريطة وطن كنت تتحرك فيه دون أن تحدد معالمه أو تقف له على حدود ، كنت تعتبر ذلك أمرا تافها لايستحق التفكير . تعشق حرية التحرك دون إلتزامات أو فكر مسبق ، حين كبرت وبدأت تنفرد بمصاريفك اليومية عن العائلة محققا استقلالا ماديا من خلال نشاط تجاري مؤقتا في الحي عبر مثلث : بيت العائلة والبادية في فصل الربيع وأقرب شاطئ كلفته أرخص. تباعدت المسافات ومعها اشتد الشوق للرجوع وأنت تغالبها لعلها تخضع لسطوة الزمن ، تتقلب الأفئدة لايطاوعها النوم وقد ركبها السهاد والأرق. كان يوما متعبا واستثنائيا. بين كنس وتنظيف هم مرافق بيت يشبه إلى حد كبير زنزانة معتقل في بلدة موغلة في الوحشة ، كما تعمد المخزن في قهره لمناطق ظلمتها الجغرافية والتاريخ والصق بها زورا إسم معتقل ، نافذتها الوحيدة لصغرها تبدو ككوة ينبعث منها ضوء شارد كسهام غادرة تكاد توصل بصيصا من الهواء لا يكفي لحجرة تشبه علبة كبريت. الباب يصده متعاليا جدار يحجب عليك رؤية الممر الوحيد المتواجد وأنت تتحسس خطى المارة وحوافر الدواب جيئة وذهابا ، عن يمينك مقبرة تحيط بها نبتة الصبار ونوع من السدر تعالت بجنباته حتى غطت مابداخلها. رائحة الرطوبة لم تفارق المكان لغياب التهوية وأشعة الشمس التي قلنا عنها في المقال السابق أنها تسابق الزمن من أجل مغادرته وكأنها هي الأخري لاتطيق البقاء. فرغم رائحة بخور التي عمت المكان ل ” عود الند ” موضوعة ببرتقالة صغيرة على طاولة وهي تحترق كسجارة محاور ثرثار سرقه الحديث فتركها لمصير الضياع دون أن يأخذ حظه من التدخين ، ادخنة التي نفثها الأنبوب بشكل عشوائي لم تغادر المكان. عالم مغلق لايترك لك فرصة لتلقي بنظراتك بعيدا وكأنه يحاصرك حتى لاتوغل في الفضول لمعرفة مايجري في مكان يلفه الغموض وكثير من الأسرار. إنها تهمس في أذنك بلطف :
مهلا أيها الزائر الغريب… لاتستعجل ! فأنت في قرية لن تتخل عنك الإثارة فيها ، مهما بدت في سويعاتها الأولى غير قادرة على البوح ، ستحكي لك عن كل أمكنتها فصلا فصلا ، مادمت قد قررت سبر اغوارها.
ألقى سعيد بجسده المنهك فوق سريره الخشبي المنزوي في ركن البيت من شدة التعب وهو غير قادر على إعداد ما يلبي جوعه المؤقت ،لقد فضل الخلود للراحة دون أن يفكر في التوجه للمطبخ الذي لايفصله عنه سوى سنتمترات قليلة ،إنه أول اختبار عليه الحسم فيه لوحده بعدما كان يضجر في الأيام الخوالي من بعض أكلات أمه والتي يفضل عليها أكلة سريعة في ناصية الشارع عند “باحسن” تذكر الأمر بحسرة فتبسم وهو يحاول إغماض عينيه يقول في قرارة نفسه:
لن تأكل إلا ما أعدت يداك ، وإلا بقيت جائعا ، فلا مجال هنا للمكابرة ، وزمن دلال ست الحسن الأم الحنونة قد ولى .
،ساد الظلام المنطقة ، مما جعلها أكثر وحشة ،فأوقد شمعة لعلها تجلي هذا السواد. آثر النظر إلى سقف البيت المهترئ الذي احتلت أركانه بعض العناكب .صوت ازيز بعض الحشرات كسر سكون المكان. شغل مذياعه الصغير فانبعثت منه اغنية صداحة لمطرب كانت تشكل ذكريات طفولته الشقية في بلدة الأخوال حين كان يمارس شغبه الطفولي بلاحدود ولم يكن يتوقع أن ترميه ظروف العيش والمسؤولية الجديدة إلى عالم آخر يختلف تماما عما كان يعرفه عن أمكنة معتادة من بيت الأسرة. أخذته الوحشة والحنين فتجلد مخاطبا نفسه في حوار داخلي :
” (ترجل أصاحبي) إنها البداية فالأسرة تعتمد بعد الله عليك ،لقد اصبحت مسؤولا .لاتتحمل مصير حياتك لوحدك بل عائلة بأكملها ،” خطرت بباله بعدما غادره النوم أن يأخد قلما وورقة من أجل كتابة رسالة للعائلة يحكي فيها بوصف دقيق انطلاقته من المحطة الطرقية وصولا للقرية في مشاهد مفصلة ، وأن مكان الاستقرار مطمئن وهو يستدعي مفردات لعلها تخلق جوا من الإطمئنان لدى الأسرة ،حتى لايربك استقرارها ويجعلها تعيش اجواء بها تشويش على مصير فلذة كبدها.
وتبقى الأحداث مستمرة لاتنته… قد نعود إليها في وقت لاحق .
ذ ادريس المغلشي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *