omrane omrane

” جا يكحلها عماها”

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

بقلم ذ.محمد العبدوني خياري

مثل شعبي يقال عندما يعجز شخص عن مساعدة آخر في حل مشكلة  وربما يزيدها تعقيدًا، ويشار به إلى شخص خرب شيء ما عند محاولة إصلاحه، ليجد نفسه متورطًا في شيئ لا يطيقه. ومثله قال العرب ” زاد الطين بلة”،  وللمثل قصتان مختلفتان لن أحكيهما هنا ولكن سأحكي مايماثلهما. فقد كان هناك حمار مقيدا بشجرة، فجاء محسن وفك له الحبل، دخل الحمار حقول الجيران وبدأ يأكل الأخضر واليابس، رأته زوجة الفلاح صاحب الحقل فأخرجت البندقية وقتلت الحمار، سمع صاحب الحمار صوت البندقية فلما رأى حماره مقتولا، غضب وأطلق النار على زوجة الفلاح. رجع الفلاح فوجد زوجته مقتولة فحمل البندقية وقتل صاحب الحمار. لما سمع أهل القبيلتين الواقعة دخلوا في صراع وقتال بينهما، ومغزى القصة“أنك إذا أردت أن تخرب بلدا فأطلق الحمير”

فسَدَ يَفسُد ويفسِد ، فَسَادًا وفُسودًا. هل الفساد مفرد أم جمع؟ أنثى أم ذكر؟ نكرة أم معرفة؟  له هوية في الزمان والمكان؟ له لون أم لا ؟ إن الفساد والمفسدين هم القوى المناهضة للتغيير و المقاومون للإصلاح. ويحدثنا القرآن عن الفساد والمفسدين  فيروي لنا القصة الأولى عن إرادة الله سبحانه لخلق الإنسان، ليعيش على سطح هذا الكوكب.  ولما أعلم الله سبحانه الملائكة  بإرادته خلق الإنسان كان سؤال الملائكة المرفوع إلى الله والمنقول بقوله تعالى: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) -البقرة/ 30 . فالخطر الأول والأكبر الذي يهدد  الإنسان على سطح الأرض هو الفساد .

نتناقش دوما عن أسباب ومسببات الفساد وعدم انتظام عمل المؤسسات بالطريقة التي نأملها، ونواصل محاولاتنا لفهم ما يحصل ونحن ندري جيدا مكمن الخلل ونستمر في بدل جهدنا لنقاش الوضع. نتسابق لرفع شعارات الحرية وحقوق الإنسان والعدل والدفاع عن المهمشين والمقصيين في المجتمع، نحاول أن نكون شركاء في مبادرة البناء الاجتماعي العادل. فمن نكون نحن؟ ببساطة نحن أصحاب مبادئ وهم أصحاب خطابات، إذن فهل وجود المفسدين ضروري ليسير المجتمع بشكل طبيعي؟ أم استأنسنا بهم واستأنسوا بنا، فلا هم يخافون شيئا ولا نحن حققنا شيئا. وقد تطل علينا بعض التقارير كل مرة عن شخصيات سياسية وحزبية وبرلمانية ومراكز تدبير الشأن العام، اغتنت بطريقة بشعة دون رقيب ودون حسيب. نحن نكتب وننتقذ ونطالب يوميا بمجتمع ديمقراطي يسود فيه العدل والمحاسبة، لكن لا شيء تحقق. هؤلاء المفسدون وصلوا لمناصبهم عبر التملق و“لحيس الكابة” وشراء الذمم وتكميم الأفواه، وكانت شعاراتهم في البداية من أجل  الدفاع عن مصالح الناس وخدمة هذا الوطن الآمن. لم تتحقق وعودهم، ولم تتحقق أحلامنا وصرنا كلانا يعرف الآخر جيدا، فأين الخلل؟هل هي مشكلة تربية ؟ أم  أزمة أفكار وعقليات؟ أم خداع ماكر من أناس لا علاقة لهم لا بالشعب ولا بمصالح الوطن. كل التخمينات متاحة في زمن التفاهة والنفاق الاجتماعي، زمن غابت فيه الأفكار والمشاريع الواضحة وماتت القيم .

هل انتهى زمن القادة السياسيين والمسؤولين الحقيقيين، وصرنا أمام زعامات كرتونية ميزتهم أنهم يستخدمون دائما شعارات وخطابات جوفاء غير مقنعة بصيغة المستقبل والتسويف “سوف نفعل” “ينبغي علينا أن نفكر” “سوف نتدبر الأمر” وكأنهم يجيدون استعمال وتطبيق المثل القائل” الطماع يغلبو الكذاب”، وكما لو أن الحاضر غير مهم وحياة الناس الحالية لا تعنيهم، فقط خطابات فارغة. ما أهمية الوعود والخطابات المستقبلية التي ترسم آمالا كبيرة، في حين لم تحقق أي شيء. يتحدثون عن الآفاق والأحلام لكنهم لا يعرفون ماذا يريدون فعلا. فهم يستمدون من الماضي كل المبررات لإلقاء اللوم على من سبقهم، وينسجون مستقبلا ورديا خطابيا لا يمت للواقع بصلة ويستعملون كلماتهم الرنانة كالتغيير والشفافية. المشكل العويص أنه من يأخذ زمام الأمور اليوم كان البارحة يفتي في كل شيء، الآن وهو يقود تاه عن جادة الصواب وصار يتخبط بدون بوصلة، ومن هم في الخارج ينتقدون كل شيء ونسوا أنهم كانوا البارحة بالداخل ولم يحققوا أي شيء يذكر.

هل هي لغة و لعنة الفساد؟ أم غياب الضمير الوطني؟  فهل نحن طينة واحدة والفساد يسري في دمنا، أم أن القناعات والمبادئ انقرضت إلا عند القلة. المتابع للمشهد والمتأمل لمجرياته سوف يخرج بحقيقة مهمة هي بداية ضياع وأن هناك من يريد لها  الضياع من خلال مخطط مستمر بأشكال وتكتيكات مختلفة، والأهم من ذلك أننا انتهينا إلى تصنيف ما يحدث من خلال جهتين أو جبهتين إحداهما تصر على استمرار مشاركتها في الخراب وتجنيد مقدراتها لتنفيذ مخطط الهدم، بينما الأخرى تحاول بكل ما تستطيعه إنقاذ الوضع المتردي. نحن لا زلنا نحلم حتى ولو كان بصيص الأمل قليلا، لأن الفساد لن يدوم وأبناء هذا الوطن سيتنافسون ويناضلون غدا بشكل شريف لخدمته.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.