omrane omrane

“زمن الرداءة “

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

بقلم ذ.العبدوني خياري محمد
لكل داء دواء يستطب به ***** إلا الحماقة أعيت من يداويها   -المتنبي-
إن الغرض من تكريس الرداءة هو شغل الرأي العام عن القضايا الأساسية وإلغاء آلية التفكير لديهم، لأن نظامها يرنو إلى إنتاج “فكر مُعلب”، حيث أصبحت عبارة عن صناعة يحركها هاجس الربح والتسويق والمصلحة فقط، ومن أسباب انتشارها بشكل كبير في المجتمع هو بعض مواقع التواصل الاجتماعي وبعض المنابر الإعلامية الغير مسؤولة. فلم يعد البطل هو من قام بعمل خارق أو مفيد، بل فقط من حقق نسبة متابعة عالية حتى ولو برقصة حمقاء أو بنزع ملابسه أو التلفظ ببعض الكلام النابي والبذيء والسبّ والشتم في حق غيره،همهم الوحيد هو البحث عن الإشاعات والفضائح ونشرها. فلا عجب أن تجد شخصا يحظى بشهرة عالية ولم يقدم أي شيء، وهكذا أصبحنا مع أمّيين جدد بجهل مركب، وبموجبه يتم مكافأة السخافة والميوعة بدلاً عن الجدية والجودة في العمل، ويقع لهم مثل”بُوفْشَاشْ كبيرعند راسو وصغيرعند الناس”.
للأسف الذكاء والتفكير والابتكار و”المعقول”في يومنا هذا أصبح مزعجا لأنهم يعملون على تكميمه، ويقومون بالتشويش على التميز والإبداع والتمكين والعمل الجاد، وأضحت التفاهة بمثابة فيروس استوطن العقول، فلم يعد معيار النجاح أهمية المضامين بل عدد المتتبعين. إن وسائل الإعلام سواء المكتوبة أوالمسموعة أو المرئية، مثل المدرسة تماما، عليها أن تحفز على الإبداع والعمل الجاد، لا أن تقوم بتغليط الرأي العام، مدعية أنه الانفتاح الإعلامي. لقد صار لزاما على ممارسي الإعلام المهني أن يحافظوا على مبادئ المهنية وقيمها التي أولها احترام المتتبعين والعمل على تأطيرهم وتثقيفهم  وإخبارهم بالحقيقة ولعب دور الإعلام الهادف، الراقي والمسؤول. صرنا نعاين مصانع منتشرة للميوعة، سواء سياسية، أو فنية وحتى إن تفحصت عالم الثقافة، فستجده مليئاً بسخافات بلا حدود،عبر كاتب هنا أو رَاوٍ هناك أو شاعر في موقع ثالث أو رسام بلوحات سماها”تجلاخيزم أوتخرميزات”والطامة الكبرى أن بضاعتهم قد تكون رائجة والإقبال عليها كبير. سنجد من يقفون وراءها بالدعم والتأييد، هدفهم كسر القيم والمعتقدات والثقافات والأعراف،على شاكلة”روتين يومي”، حتى صرنا نرى الأقزام بظلهم على هيئة عمالقة يعملون على توجيه المجتمع. لقد صار مقياس مستوى النجاح المتحقق بعدد المشاهدات أو المتابعين، فليس مطلوبا أن تقدم محتوى مفيد، بل على العكس تماما، يكون الإقبال كلما كان المحتوى مبتذلا وهابطا، ومثيرا للجدل. صرنا نساهم بشكل أوآخر في تعميق تغلغل المبتذلين في حياتنا عبر مشاهدتهم ومتابعتهم،وهكذا نُحِرَتْ الفضيلة وانزوى الحياء وتم التخلي عن مبادئ الدين والتربية والعادات الاجتماعية الفاضلة وأصبحت الغاية تبرر الوسيلة مهما كلف الأمر ومهما بلغ قدرالتنازل.
وهنا أطرح  سؤالا محيرا، هل غاب أصحاب المحتوى الجيد أم أن كثرة الذميم غطت على الجميل وأن المحتوى الهادف ضاع في زخم الميوعة والابتذال؟ صرنا نعيش زمن «تبخيس الحياة وتسليعها» كل شيء صار مجرد «بضاعة» وصار «معلم الشكارة»المهووس يسيطر بأمواله على بعض السياسيين والعلماء والإعلاميين من دون أن تكون لديه ثقافة ومبادئ. عشنا وشاهدنا لصوصا من ناهبي المال العام أو التعاونيات والجمعيات أو تجار مخدرات يقومون بتبييض سيرتهم الذاتية عبر بناء مسجد أوخلق مؤسسة خيرية أو بتزكية حزب والترشح للانتخابات أو إنشاء مؤسسة مع القيام بتوظيف الأساتذة والدكاترة فيصيرون قدوة في المجتمع بعد أن يهلل لهم ويطبل لهم المُنْبَطِحونَ، مع توفير منصات ومواقع لهم للظهور والانتشار بعد أن كانوا نكِراتٌ. لقدعرف الإعلام المغربي خلال السنوات الأخيرة سباقاً محموماً لتحقيق “البوز” أوأكبر نسبة قراءة ومشاهدة، بالتالي ضمان تحقيق مدخول مادي مهم، لكن المحتوى يعتمد في الغالب على “السخافة” التي أصبحت ركيزة “النجاح”. كلمة “البوز”، تعني في اللغة الطنين(صوت طيران الذباب وكلنا يعرف أين ينتشر ويتمركز الذباب)،  ويكون “البوز” محدوداً في الزمن، ينتشر بسرعة كبيرة، ويزول وينسى بالسرعة نفسها” لأنها”شهرة مؤقتة”ولهذا قد تجد أن هؤلاء الأشخاص أصبح لهم رأي وتأثير، رغم أن أكثرهم لا يملك الأهلية للحديث عن أبسط المواضيع، ومن الشواهد على ذلك خروج بعضهم علينا في فيديوهات أو مقالات مؤدى عنها خدمة لأجندة معينة، ليقوموا بالتشويش على التميز والإبداع والتمكين، في ظل غياب من يردعهم. لهذا وجب التدخل للحد من هذه الموجة ذات التداعيات الاجتماعية والأخلاقية الخطيرة التي تقوم على تغليط المواطنين وتشجيع الكاذبين والمهرجين (دورالهاكا)، وفي المقابل دعم القنوات الجادة والأخبارالحقيقية وتمويل الإنتاجات التي لها تأثير ثقافي وتربوي واقتصادي على المجتمع، ومحاربة أشباه السياسيين والصحافيين والمحللين والمحللات للواقع المغربي والسياسي والاقتصادي والرياضي. إن التحرر من سيطرة الرداءة في المجتمع هو مسؤوليتنا جميعا، فإذا تجنبناها وحاربناها بعدم نشرها فأكيد ستذهب تدريجيا وتختفي، كما أننا في حاجة إلى الإعلام المهني  الجاد وإلى تبني وتشجيع ودعم المحتويات الهادفة والمساهمة في نشرها، لتنحية هذا الإنتاج المتدني من المشاركات وأن نتوقف عن دعم المبتذلين بعدم تناقل مشاهدهم و متابعتهم لتقليل هذا الزخم الطاغي من المحتويات الهابطة ولإبعاد أصحابها عن المشهد السياسي و الثقافي والاجتماعي.      “إذا لم نواجه هجوم التفاهة الخبيثة للعدوان في بيئتنا اليومية، وإذا فقدنا السيطرة تدريجيًا على لتلوث السائد من اللامبالاة وعدم الاحترام، فنحن بحاجة إلى إعادة هيكلة تفكيرنا بشكل لا رجعة فيه”. (ألان دونو،كتاب «نظام التفاهة»).

 

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.