omrane omrane

طالع السعود الأطلسي يكتب: بذريعة “قميص بَركان”… التدبير السياسي بالهذيان

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

“فريق اتحاد العاصمة” الجزائري، جَعلت منه القيادة الجزائرية حُشوَة في مدفعٍ أطلقته بانفعالٍ يائسٍ.. لعلَّ الطلقة تخرجها من قتامة وضعها السياسي، داخليا وخارجيا، حتى ولوْ أن تلك الطلقة تُخلف وراءها خسائر رياضية وهزائم سياسية.

قميص “فريق نهضة بركان” المغربي هو الذريعة التي لا تخفي أن القيادة الجزائرية أوصلت نفسها إلى درجة عالية من الضيق، في إدارتها لمنازعتها المغرب في قضية الصحراء المغربية، باتت معها في حاجة إلى تجريب تلفيف هزيمتها بدوي طلقات مكابرة، حتى ولو محدودة المفعول.. ضاق أمامها فضاء التملُّص من التجاوب مع القرار الدولي بانخراطها طرفا في ترتيبات الحل السياسي للنزاع… فشلت كل مناوراتها، تبدَّدت مفردات تعنتها، من قبيل الاستفتاء، وتقرير المصير، وانغلقت أمامها، كلِّيا أو جزئيا، الممرات نحو القوى الدولية المهتمة والمؤثرة في النزاع.

كل ذلك، وقيادة الجزائر تشكو من علّتين مزمنتين ومستفحلتين.. علّة الفقر في مناعتها الشعبية، وعلّة ضعف الثقة بكينونتها دولة وطنية.

لم يتم ترسيم اعتماد التعددية الحزبية في الجزائر إلا سنة 1989، قبل ذلك مارس النظام الجزائري بحكم الحزب الواحد، جبهة التحرير الوطني، بعد أن أقرّ الشرعية الثورية منذ 1962 بديلا عن التعددية الحزبية، التي حقَّقت الاستقلال الوطني.

سلطة “المخابرات العسكرية” أرعبت البلاد وعزلت قيادة النظام عن الشعب، وأفقدته التغذية الحيويّة بالنفس الشعبي.. وإلى اليوم. دولة الجزائر اليوم هي الدولة الوطنية الأولى في تاريخ الجزائر، بعد قرون من الاحتلال الأجنبي، وآخره الاحتلال الفرنسي، الذي أدمج الجزائر إقليما في الكيان الفرنسي. وعِلَّة نظام الجزائر التي لازمته منذ تسلمه قيادة الجزائر المستقلة هي شكّه المزمن في استقلاله وجدارته الوطنية، بحيث يضغط استحضار الذاكرة الوطنية في سياسات النّظام على انشغاله بمستقبل الجزائر.

الكفاح، التضحيات، الشهداء، الدماء، الكرامة، كلمات دائمة الحضور في كل خطاب رسمي، بمناسبة وبغيرها.. هي تُبرِّر شرعية النظام وتُسوِّغ تسلطه، وأيضا تكشف ثقته المهزوزة بذاته. مع فرنسا، مثلا، مشكلات الذاكرة حاضرة في العلاقات الجزائرية – الفرنسية بما يكبح تطورها أو يُفاقم من توتراتها. الذاكرة تتيح لقيادة الجزائر التباهي بأمجاد الماضي، للتعويض عن فشالات الحاضر.

و”قميص بركان” من كل ذلك؟ القميص ينوء بكل ذلك.. حمّلته قيادة الجزائر كل مآربها وكل فشالاتها وآخر مناوراتها، فضلا عن توابل عداوتها، المتأصلة فيها، للمغرب.

بذلك القميص تسعى قيادة الجزائر إلى استقطاب الاحتضان الشعبي لها، والذي افتقرت إليه عبر تاريخ تحكُّمها في الجزائر.. “معركة القميص” جعلت منها شعارا “لرصِّ الصفوف وتقوية الجبهة الداخلية دفاعا عن السيادة الوطنية”، كما تردّد وبغزارة في الإعلام الموالي، المكتوب والمرئي، وفي رسائل التضامن المفتعلة مع نادي اتحاد العاصمة، والذي هو نفسه ضحية لقرار حكّام الجزائر، وبه اختلقوا قضية ما كان لها أن تكون ولن تطول.

عبر تاريخ المنازعة الجزائرية في مغربية الصحراء، حوالي نصف قرن، بقيت قيادة الجزائر معزولة عن شعبها.. السياسات الرسمية لم يكن لها امتداد شعبي. تسأل مواطنا جزائريا في موقفه من نزاع الصحراء، يجيبك “ما على باليش”، “خاطيني”، ويشرح لك بأن سياسات الحكام لا تعنيه.

وإلى اليوم، لا أثر للموقف الرسمي من نزاع الصحراء، لا في سياسات غالبية الأحزاب والنقابات، ولا في الفنون ولا في الآداب.. رغم أن الإعلام الرسمي يتحدث عن “كفاح شعبي لتقرير المصير”.. “جبهة التحرير الوطني”، كان الحزب الوحيد الذي في مناسبات قليلة، يدافع عن السياسات الرسمية، رغم أنه ولعقود كان الحزب الحاكم. واليوم رأى الحكام أن ينفُخوا في “قميص بَركان” ليكون مدخلهم لتعبئة شعبية، تلتف حولهم، وتوظِّف قابلية الجماهير الرياضية للاندفاع الغريزي في انخراطها الجماعي وراء تعلّقها بفريقها.. ولك أن تحشو ذلك التعلق بما تريد.

وكان لا بد من استنفار ذاكرة الكفاح التحرري للجزائر في التحشيد الجماهيري ضد المغرب، وتردّد أن الجزائر لا تركع وأنها بلد الشهداء، لتحويل تلك التعبئة نحو القيادة التي “تصون” تلك الذاكرة، ولكي لا ينتبه المعبئون إلى أن ما سيؤدي إليه تعنُّت حكامهم ليس إلا أحكاما قاسية على فريقهم.

وإذا ما تفضل ستيفان دي مستورا، المبعوث الأممي لنزاع الصحراء، وتابع “جذبة الكرامة” في الجزائر ضد “قميص بركان”، فسيكون أمام استعراض حي، مباشر وبلا مساحيق، لكون الجزائر طرفا معنيا ورئيسيا في نزاع الصحراء، عكس ما يدعيه حكامها ويتملصون به رفضا لمشاركتهم في مفاوضات الحلّ السياسي.. هنا الجزائر تقول بأن قميصا لفريق رياضي يشهر خارطة المغرب، يستفزّها ويهدِّد سيادتها، لأن الخارطة تشمل الأقاليم الجنوبية المغربية، وهي طرف فاعل ومنفعل إلى درجة أن امتدادات رفضها لقميص بركان قد تؤدي إلى عزلتها عن كرة القدم الأفريقية لسنوات. هي لا تبالي بذلك، تهون عليها كل خسارة مقابل “إصرارها” على معاكسة الحق الوطني المغربي حتى وهو مجسّد في قميص رياضي. وهي طرف وعنيد في نزاع الصحراء، بل هي الطرف الرئيسي الثاني، قبل بوليساريو.. وفي ذلك هي على حق. والحق.. أن الحق الوطني المغربي، الذي يراكم الانتصارات تلو الانتصارات، والذي يعلنه “قميص نهضة بَركان” لم يبق لقيادة الجزائر غير الانفعال والكثير من الهذيان.

ــ عن “العرب” اللندنية

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.