الرئيسية / 24 ساعة / ما بين أندري جيد والعميد أو عندما شرح طه ماهية الإسلام لأندريه

ما بين أندري جيد والعميد أو عندما شرح طه ماهية الإسلام لأندريه

بقلم: منتصر لوكيلي

 

 

من طرائق التفكير التي يمكن مؤاخذة المرء عليها التنميط البسيط (إن جاز تسميته كذلك)، والذي لا يسلم منه حتى كبار المثقفين، فالتفكير النمطي اعتمادا على أفكار جاهزة أو مسلــّمات لا تقبل الجدال مصدرها في الغالب موروثات فكرية محنطة. وإن كنا ننحى باللائمة على المقلدين هم نماذج للتفكير النمطي لأنهم يتبعون هذا النهج أو ذلك دون البحث عن مبرراته، فكيف الأمر بعتاة المثقفين والمبدعين وحتى من حملة جوائز نوبل وغيرها… لا يمكن أن ننكر أن كل واحد منا بشكل أو بآخر يكون فكرة نمطية عن تجمع إنساني بعينه، فالصينيون مجتهدون مواظبون ومسالمون، والفرنسيون شديدو الحرص والإسبانيون ذوو ميل إلى الاحتفال والإيطاليون محبون للحياة، والإنجليز قساة باردون، والعرب والمشارقة عصبيو المزاج وغير ذلك من الصور التي تطلق فتترسخ في الأذهان وكأنها حقائق مطلقة أو وحي منزل. وإن كنا نحاول أن نحارب الفكر النمطي عبر ترسيخ المنهج التجريبي أو على الأقل عبر التشكيك في “المسلــّمات”، إلا أننا نصاب بالاستغراب عندما نجد مفكرا عالميا أو أديبا أشادت به الإنسانية جمعاء وقد وقع في فخ النمطية. وما دفعني إلى طرح هذه الأفكار، هو ما قرأته بشكل عابر منذ مدة قصيرة من مراسلات بين عميد الأدب العربي طه حسين والكاتب الفرنسي ذي الصيت العالمي أندريه جيد، ففي مقالة نشرها مؤنس طه حسين (باللغة الفرنسية طبعا) سنة 1997، وتضمنت نصوص الرسائل المتبادلة بين الكاتبين الكبيرين، يتبين مدى ارتباط طه حسين بثقافته الأصلية العربية ومدى تشبثه بالدفاع عن الدين الإسلامي والثقافة العربية والصورة النمطية التي يصوغها عنه الاستشراق، وتبدأ أولى الرسائل عندما علم طه حسين بزيارة الكاتب أندريه جيد لمصر للمرة الأولى سنة 1939، فأرسل إليه ترجمة فرنسية لروايته الأيام  مرفقا بها اقتراحا للقاء عند عودة جيد إلى القاهرة، لكن اللقاء تعذر، فكتب جيد ما نصه عن “الأيام” المترجم:

عزيزي طه حسين

لقد قرأت كتابك الجميل بتأثر قوي ، فهو يتنفس الإنسانية بين ثناياه ..

وفي سنة 1946، ترجم طه حسين رواية الباب الضيق لأندريه جيد إلى العربية، وطلب منه أن يكتب تقديما لها، لكن الكاتب الفرنسي أبدى دهشة وتعجبا في رسالته عام 1945 متسائلا عن الدافع إلى ترجمة هذا الكتاب التي دفعت (طه حسين إلى ذلك )، معتبراً أنّ رواية ذات نفس روحاني (وقد تفادينا ترجمة كلمة ميستيك mystique إلى صوفي) مثل “الباب الضيق” لا يمكن أن تتناسب مع قارئ عربي مسلم لا يشغل نفسه بأي قلق وجودي، فالقرآن مدرسة الطمأنينة والاستكانة يعفيه من ذلك، لا سيما وأن هذا الدين يحمل من الأجوبة أكثر مما يطرح من أسئلة. وجاء في رسالة الكاتب الفرنسي: “طالما أبنت في كتاباتي السحر الذي شغفني به العالم العربي، ولقد أطلت عشرة كثير من المعنيين بالشؤون العربية والإسلامية. وكنت بلا ريب خليقاً أن أكون شخصاً آخر لو لم أعرف ظلال النخيل وأتذوق سعير الصحراء.. فهل أنا مخطئ؟ “.

كان رد طه حسين شديد التهذيب، فبدل أن يرشد أندريه إلى خطأه البين، صاغ أسلوبا أدبيا رفيعا مبينا، فخاطبه مجيبا عن سؤاله بقوله: “سيدي، كلا، أنت لم تخطئ بالرغم من كونك جانبت الصواب،..”. ثم لفت نظره إلى كونه عرف بعض المسلمين وليس الإسلام، في فترة عصيبة من التاريخ تتميز بالانحطاط، فإن كان أكثر هؤلاء المسلمين الذين تعرف عليهم “جهلة وبسطاء” فكيف لهم أن يشرحوا للكاتب الكبير أن القرآن دعا إلى المعرفة والاستكشاف وليس الاستكانة فقط، إذ أن قصارى جهد هؤلاء هو أن يطلعوا الآخرين على الثقافة الفولكلورية لبلدانهم… أما المسلمون الآخرون فهم غاطسون في الثقافة الغربية وأبعد ما يكون عن معرفة ثقافة الشرق، ثم امتشق طه حسين المناهج الاستشراقية نفسها، فأردف: “أما المستعربون الذين تعرفت عليهم فإنهم لا يهتمون بالنص أكثر مما يهتمون بروح النص … هؤلاء (المسلمون الجهلة) وأولئك (المستعربون) ليس بمقدورهم أن يقدموا لك فكرة دقيقة، عن القرآن وعن تأثيره على الأفكار والقلوب: إن الإسلام لا يدعو إلى الطمأنينة بل هو يدفع بالعقل إلى التفكير الأكثر عمقا ويثير الحيرة الأشد إرباكا. والقرون الخمسة الأولى من تاريخ الإسلام هي الدليل الأكثر إقناعا”. ثم يمضي في حججه فيستطرد : “إن علاقاتكم بالمسلمين والمستعربين لم تسمح لكم بمعاينة القلق الذي أثاره الإسلام في بلاد العرب خلال القرنين الأولين من الهجرة ، قلق أعطى للأدب العالمي شعر الغزل الأكثر غنائية وصوفية” وفي معرض الرد على مسلــّمة أندريه جيد أن الإسلام يعطي أكثر مما يأخذ، كتب عميد الأدب العربي: «لقد ذهب في ظنكم أن الإسلام يعطي أكثر مما يأخذ وهذا ليس صحيحا: فلقد أعطى الإسلام كثيرا لأنه أخذ الكثير، فقد أخذ من المسيحية واليهودية، ثم من التراث الإغريقي ومن الحضارتين الفارسية والهندية. كل هذا استوعبه لكي يبتكر منه شيئا عربيا، ثم نقله إلى الغرب قبل القرن الخامس عشر. وعندما نكون قد أنجزنا مثل هذا العمل، فإننا نكون قادرين على أن نتقبل الثقافة الغربية ونحن نتقبلها جيدا”.

وبعد أن أحاط العميد الكاتب جيد علما بأن العديد من أعماله قد ترجمت إلى العربية، ختم رسالته قائلا: “..انه جدير بثقتكم هذا المشرق العربي الذي ينشر رسالتكم مثلما فعل ذلك مع معلمي العصور القديمة. وتفهموا فرحنا أن تكونوا بيننا في الوقت الذي تم فيه نقل عملين من أعمالك إلى العربية ليتعرف عليها الجمهور المسلم الواسع وسنكون سعداء أكثر إذا ما  تأكد لك أن الإسلام يعرف معنى العطاء كما يعرف معنى الأخذ”.

كانت تلك ردود كاتب عربي على صورة نمطية صاغها الاستشراق عن بيئته، فانبرى مدافعا عنها، وتبين معها مدى اعتزازه بثقافته العربية وبدينه الإسلامي، وهو ما يبدو غريبا مع صورة نمطية كان هو الآخر ضحية لها.. فما أكثر ما رُمي رجما بالغيب، وما أكثر ما علت الأصوات منددة به حتى ترسخ في الأذهان أنه تابع للثقافة الغربية منبهر بها محتقر لبني جلدته، لكن رسائله التي صاغها بلغة موليير كفيلة برد الاعتبار إليه ومحو الصورة النمطية عنه. فما أحوجنا اليوم وقد اشتدت وطأة تشويه صورة الحضارة العربية الإسلامية إلى عميد يرد إليها الاعتبار ويصحح المسار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *