” عيش نهار تسمع خبار”. الغلط والمغالطة.
بقلم ذ.محمد العبدوني خياري
يعتبر الافتراء آفة إجتماعية وأخلاقية سيئة جدا يمارسها المفتري أو الكذاب لتحقيق مكاسب شخصية على حساب الآخرين، ولذلك حرمت الأديان السماوية والأعراف الحضارية الكذب والبهتان ودعت لنبذه لأنه يقف وراء الكثير من الجرائم التي يرتكبها الإنسان، ابتداءً من الشتم والسب وانتهاءً بسفك الدماء. وهناك مثل آخر يقول ” لو كَانْ المْعَالِم مَجْنُونْ كَانْ المِسْتَمِعْ بِعَقْلَهْ” أو بلفظ آخر: لو كان المِخَبِّرْ مجنون كان المستعلم بعقله والمخبر والمعالم هما نفس الشخص. والمثل يقصد أنه إذا كان ناقل الخبر مجنون ويكذب أو يصف أشياء بنوع من المغالطة! فيجب أن يكون المستمع لديه عقل يميز الكذب من الصدق و المنطقي من اللا منطقي… لأن المغالطات ومن يديعها تكون لغرض ما ولبث البلبلة بين الناس، وقد يكون هذا الناقل أو المتكلم هو نفسه صاحب الهدف من نشرها. فاليوم الكثير من نقل الأخبار المضللة تهدف لمصالح شخصية أو سياسية أو اجتماعية يبثها البعض عبر المجالس أو الأسواق أو الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعية، التي تتضح في الأخير أنها فقط فبركات لأغراض خبيثة، و لهذا يستحسن التثبت من صحة الكلام قبل الأخذ به.
يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الأحزاب-58-: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينً (
سأحاول أن أقدم توضيحا مبسطا لما هو الفرق بين الغلط والمغالطة: فلو حاولنا رصد هذا المفهوم من الناحية الاتيمولوجية فإننا نجد ما يلي: المغالطة في اللاتينية sŏphism وفي الفرنسيةsophisme وتعني فيما تعنيه اختراع عبقري ومهارة في استعمال اللغة وترتبط بالحكمة sophía والمغالط هو السوفسطائي أي أخصائي الحكمة ورجل الخطابة، ولكنها تعني الفكر المخادع وذلك لكون الاستدلال يبدو من حيث الظاهر منطقيا ولكنه في الواقع ليس كذلك. والغرض من هذا التلاعب هو الإيقاع في الخطأ وخداع الآخرين. وإذا كانت المغالطة sophisme تفترض الوعي بالخلل وتوظيفه من اجل التمويه فان الغلط هو اختلال في الاستدلال غير مقصود من قبل واضعه. ويمكن أن نشبه الغلط بأنه اختيار غير إرادي نتيجة الغفلة أو الجهل، في حين أن المغالطة هي استعمال المكر والاحتيال لإيقاع الآخر في الزيف وقلب الحقيقة إلى وهم . فكل مغالطة هي غلط ولكن ليس كل غلط هو مغالطة لأن هذه الأخيرة تتضمن منطقا تضليليا و سوء نية حتى يكون هناك تأثير لدى المصغين وإسقاطهم في مصيدة الغلط و الوصول إلى نتائج زائفة لهذا تسمى السفسطة، بينما الغلط خطأ غير إرادي.
والمغالطات أصناف بما أنها تعمل على استخدام الأفكار والمعلومات المضللة في التبرير، وإثارة العواطف والخداع والمناورة بطرق تبدو منطقية، ليصبح الموهوب في الكتابة أو الخطابة وحيل الإقناع ودغدغة المشاعر كفيلا بأن يهزم أي شخص يحتكم إلى العقل. ومن أصناف المغالطة هناك” الشخصنة”: وهي مهاجمة المتحدث شخصيا بدلا من مناقشة الحجة. وهناك مصطلح“تسميم البئر” وهي تحدث حينما يتم الإفصاح عن معلومات غير مرغوب فيها (سواء كانت المعلومات صحيحة أو خاطئة) عن الشخص الآخر بغرض تشويه سمعته بغض النظر عن صحتها. وهناك “مغالطة الليمونة الحمراء” و تتمثل بعرض آراء أو موضوعات ثانوية لتشتيت انتباه الطرف الآخر عن لب الموضوع الأصلي، وتستخدم بهدف توجيه القارئ إلى نتيجة زائفة. إن المغالطة هي مركبة من مقدمات شبيهة بالحق إلا أنه ليس حقا ويسمى سفسطة. فسوفسطس معناه حكمة مموهة،ويسمى الفارابي الشخص البارع في التغليط بالسوفسطاي ويرى أن السفسطة تشمل الأمور المغالطة التي توهم المستمع أو القارئ أن الذي يسمعه أو يقرأه حق.
عندما يسعى آخرون إلى إقناعك بفكرة أو قضية، فإنهم يلجأون أحيانا إلى استخدام حيل أثناء الكتابة تنطوي على مغالطات تبدو منطقية بالنسبة لك مثل “الاحتكام إلى الجهل بالشيء”، أو طرح أسئلة ملغومة تجعلك في حيرة من أمرك. إن تفاعل شخص مع بعض المنشورات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو الاستماع إلى الأخبار، أو ببساطة إثارة قضية ساخنة مع صديق، فمن المحتمل خلال بضع دقائق أن يقع في الفخ. ولا يعني اللجوء إلى استخدام “المغالطة المقنعة منطقيا” بالضرورة أن شخصا ما على خطأ، إذ يمكن أن يشير إما إلى تفكير خاطئ ومنطق معيب إذا استخدم عن غير قصد، أو يوصف الأمر بأنه محاولة للتلاعب بالحقيقة لتظهر أكثر إقناعا إذا استخدم عمدا. وقد تكون المغالطات مركزة على مؤهلات شخص ما أو سمعته وحدها كفيلة بإثبات مصداقيته، باعتباره “مرجعية”، لهذا سيكون للمستمعين أو القارئين تحيز معرفي.
إن فهم واكتشاف مثل هذه المغالطات التي تبدو مقنعة منطقيا يمكن أن تمثل طريقة مفيدة حقا لتحسين التفكير الناقد لما نقرأه أو نشاهده. في يوم ما، قال المفكر الإيطالي الشهير نيكولا مكيا فيلي إن “الاضطرابات والفوضى من صنع الزمن لا البشر” أي أنها من صنع الظرفية الزمنية. لأن المغالطات تكون ظرفية حسب الأوضاع والظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية لما لها من تأثير في التوجيه واتخاذ القرارات.