“يجب ضرب الشاة الشارذة”
بقلم ذ.العبدوني خياري محمد
في صغري، كانت عطلتنا الدراسية الصيفية تدوم مدتها بين شهرين ونصف الى تلاتة أشهر ،خلالها كنا ندرس بالحضار او المسيد، نقوم ببعض التجارة الصغيرة( بيع باليفي والكوكو وشعر البنات. .)، نقرأ يوميا القصص بعد ان نقوم بالمعاوضة عند الكتبيين بجامع الفنا ( من 20سنتيم الى درهم للقصة ) والاجمل اننا كنا نذهب الى زيارة العائلة لمدة شهر تقريبا.
اتذكر، وأنا في البادية كان يحلو لي متابعة عمي وهو يرعى الغنم، كنت احب ان أستيقظ باكرا لأتابعه وهو يخرجها صباحا من “الزريبة” او الحظيرة، حيت تتم عملية عزل صغار الخرفان عن امهاتها. كان القطيع يقوده دائما كبش اقرن ،قوي “الفحل” ، وكان القطيع يمشي متراصا وهو يتبعه كقائد للقطيع. في بعض الاحيان قد تخرج شاة عن القطيع فيضطر عمي ان يوجه لها ضربة بحصية اوبعصاه لتعود ادراجها، ومنذ ذلك الحين استوعبت ما معنى أنه “يجب ضرب الشاة الشارذة”، وذلك خوفا ان تقوم بتشتيت القطيع والحاق العشوائية في سيره و تنظيمه، لأنه كان تصرفا مغايرا و مضرا بالنسبة للقطيع، وهذا التصرف هو غير مرغوب فيه، و غير مقبول لان الشاة الشارذة لاتتصرف طبقا لطبيعة المجموعة او القطيع، وقد تتير الفتنة وتنقل عدوى التنطع والخروج عن النظام.
كنت اقول لعمي لماذا عليك ضربها؟ ا تركها لحالها حتى نرى اين ستذهب او ماقد تفعله؟ كان يجيبني بابتسامته المعهودة :ان من الحذر عدم المخاطرة والمغامرة لاننا لا ندري العواقب، بل منذ الوهلة الاولى يجب اعادتها الى القطيع بضربها وهكذا نتفادى المشاكل والفتن ونكون حسمنا الموضوع قبل فوات الاوان…..
اكمل هذه الحكاية الصغيرة واعود لموضوع في نفس السياق وهو قصة “المرياع”. المرياع هو كبش من الغنم، يعزل عن أمّه يوم ولادته ويُسقى حليبها دون أن يراها، ويوضع مع أنثى حمار(الأثان) غالباً ليرضع منها من رضّاعة صناعيّة تُوضع في خرجها حتّى يَعتقد أنّها أُمّه. وبعد أن يكبر يُجز صوفه (اللهيية) وتنمو قرونه فيبدو ضخماً ذا هيبة؛ وتُعلّق حول عنقه الأجراس الطنّانة والرنّانة. يقومون بخصيه فيكبر ويصير كبيرا وجميلا، وهكذا يتبعه القطيع. لكنه في نفس الوقت يتبع الاتان التي لها دراية بوجهة المرعى. هكذا يمشي القطيع متراصا كما يحلو للراعي وصاحب الغنم ان يراه، وكلما سار المرياع يدندن الجرس وهي اشارة للقطيع أن يلحق به …!. الأتان في المقدمة يتبعها المرياع الذي يسوق القطيع لكن الكل تحت أعين الراعي الذي يراقب خوفا ان يشرد احد الخرفان ليعيده الى القطيع بضربه وخاصة على راسه لان هناك يوجد المخ والمخيخ والعصبة السيسائية .
صناعة الفزاعات،هي الحاضنة لتربية عقول القطيع، فالخوف هو أقوى وسيلة لقيادة الناس دون تفكير. لهذا نجدهم يتبعون المرياع ظنا منهم انه سيحميهم ويدافع عنهم لكبر حجمه.ولكن الخراف تنقاد طمعًا في المأكل والشعور بالأمان وسط الجموع ولا تنتبه لتناقص عددها.
يختار البعض حياة القطيع ويتنازل عن استقلاليته من أجل الأمان والهروب من الواقع ، وهكذا يتجمد عقله، وتتلاشى أحلامه ويصاب بتشنج عقلي وعضلي.
إن بين البشر من هم على شاكلة الغنم لا يحلو لهم السير إلا خلف مرياع ودون أدنى تفكير …!؟ المهم أنه عندما يسير المرياع يسير القطيع كاملا وراءه ويتبع خطاه مُعتقداً أنه يسير خلف الخطوات الواثقة لزعيمه البطل في حين انه زعيم مزيف…..
هذه المعادلة تنطبق الى حد كبير على الكثير من المسؤولين و زعماء القوى السياسية المحلية او القياديين، كل واحد منهم مرياع ذو هيبة مغشوشة، في حين ان الراعي يراقبهم ويدرس خطاهم وفي حال شرذ احد اعضاء القطيع، فانه يعيده الى الطابور بضربة على الراس تعيده للصواب …