اختلالات كبرى في تجارة السمك بالمغرب وهيمنة “الديناصورات”
دعت الكنفدرالية المغربية لتجار السمك بالجملة إلى وقف العمل بنظام الصناديق البلاستيكية الموحدة، معتبرة أن استمراره يضر بالفئات الصغرى والمتوسطة ويكرس هيمنة كبار التجار على السوق، في وقت يعرف فيه الاقتصاد الوطني اختلالات أوسع على مستوى الإنتاج الصناعي وغلاء المعيشة.
في بيان صادر نهاية الأسبوع الماضي، أكدت الكنفدرالية أن النظام المعمول به حاليا يشكل “عائقا فعليا أمام السير الطبيعي لمهنة تجارة السمك بالجملة”، حيث يجد التجار الصغار والمتوسطون أنفسهم غير قادرين على المنافسة المتكافئة مع كبار الفاعلين الذين يستحوذون على حصة الأسد من الثروة السمكية والأسواق.
ورغم أن الصناديق البلاستيكية الموحدة ساهمت في الحفاظ على جودة المنتوج السمكي وتثمينه، فإن الكنفدرالية ترى أن تطبيقها بشكل أحادي ومن دون مراعاة أوضاع المهنيين الأكثر هشاشة، أدى إلى تهميش شرائح واسعة وحرمانها من فرص متساوية في الوصول إلى الأسواق.
و اوضحت الكنفدرالية، أن “مهنيي السردين مستبعدون من الاستفادة من هذا النظام”، مشيرا إلى أن الاستفادة تكاد تقتصر على كبار التجار. وأضافت أن الوضع يتفاقم بسبب وجود “احتكار واضح” على مستوى الموانئ الجنوبية، حيث يتحكم فاعل واحد في ميناء بوجدور في عمليات البيع والشراء، ما يقيد المنافسة ويضرب مبدأ المساواة.
و شددت الكنفدرالية على أن برامج محلية مثل تفعيل قرى الصيد بإقليم بوجدور لم تشمل صغار التجار، رغم وفائهم بالواجبات المالية والضريبية، وهو ما اعتبرته “إقصاء غير مبرر يمس بالحقوق الدستورية”.
البيان ذاته دعا إلى ضبط آليات الرقمنة في قطاع السمك بشكل مرن وفعّال، يضمن جودة المنتوج وفي الوقت ذاته يشمل جميع الفئات المهنية في أسواق البيع بالجملة. وحذرت الكنفدرالية من أن تجاهل السلطات لمطالب المهنيين، المرفوعة منذ سنة 2022، يكرس “قصورا تنظيميا يعيق إصلاح القطاع ويثقل كاهل المهنيين”.
احتجاجات تجار السمك تأتي في سياق اقتصادي عام يعرف تراجعا في الإنتاج الصناعي خلال الأشهر الأخيرة، وهو ما انعكس سلبا على سوق الشغل والدورة الاقتصادية ككل. تقارير رسمية أشارت إلى تباطؤ نشاط الصناعات التحويلية، خصوصا في مجالات النسيج والمواد الغذائية، نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع الطلب الداخلي والخارجي.
في المقابل، يواصل المغاربة مواجهة موجة غلاء غير مسبوقة في أسعار المواد الغذائية الأساسية، إذ ارتفعت أسعار الحبوب والزيوت واللحوم والخضر بشكل لافت، ما ضاعف الضغط على القدرة الشرائية للأسر. هذا الارتفاع، الذي يرتبط بعوامل داخلية ودولية، جعل من الأمن الغذائي والمعيشي قضية مركزية تتقاطع مع ملفات حيوية أخرى مثل الثروة السمكية.
يرى مراقبون أن أزمة الصناديق البلاستيكية الموحدة ليست سوى جزء من صورة أشمل تعكس هشاشة البنية الاقتصادية والتنظيمية لعدد من القطاعات الحيوية. ففي غياب آليات عادلة لتوزيع الثروات وتدبير الموارد، يستفيد كبار الفاعلين على حساب الفئات الصغرى والمتوسطة، ما يولد احتقانا اجتماعيا ويدفع المهنيين إلى التعبير عن تذمرهم عبر الاحتجاجات والبيانات.
ويؤكد الفاعلون في الميدان أن أي إصلاح للقطاع يتطلب حوارا حقيقيا مع جميع المكونات المهنية، إلى جانب إدماج البعد الاجتماعي والاقتصادي في السياسات العمومية، بما يضمن عدالة الولوج للثروة السمكية ويحافظ على استقرار المهنة.