المهندسون المغاربة ينتفضون ضد الصمت الحكومي

0

 

أعلن المهندسون المعماريون في القطاع الخاص حالة استنفار مهني، مطالبين بإصلاح شامل وعاجل للقوانين المؤطرة للمهنة التي تعتبر من ركائز التنمية العمرانية بالمغرب. فقد نظمت النقابة الوطنية للمهندسين المعماريين بالقطاع الخاص مائدة مستديرة وطنية تحت شعار «مستقبل المغرب ودور الهندسة فيه»، تحوّلت إلى منبر صريح لتشخيص أعطاب الممارسة المعمارية ورفع توصيات جريئة إلى الحكومة والبرلمان في شكل مذكرة إصلاحية شاملة، تضع المهنة أمام لحظة مفصلية بين الانحدار أو الإنقاذ.
و أقرع المهندسون جرس الإنذار، حيث لم يخفوا غضبهم من الصمت الحكومي تجاه ما وصفوه بـ«الأزمة البنيوية» التي تهدد وجود المهنة وتنسف قيمتها داخل المنظومة التنموية. فقد كشف اللقاء عن واقع مثقل بالاختلالات القانونية والمهنية والإدارية، جعلت المعماري المغربي يشعر بالتهميش في وطن يحتاج بشدة إلى كفاءاته لتأهيل مجاله العمراني وإبداع مدن المستقبل.
و شدد رئيس النقابة الوطنية للمهندسين المعماريين، المهندس حسن المنجرة السعدي، في كلمته الافتتاحية على أن اللقاء ليس ترفاً فكرياً، بل خطوة عملية نحو «ميثاق إصلاحي» ستتم بلورته في مذكرة رسمية تُرفع إلى رئاسة الحكومة والبرلمان. وأكد أن النقابة لا تطالب بالامتيازات، بل بالإنصاف القانوني والمهني، داعياً إلى إطلاق ورش تشريعي جديد يُعيد الاعتبار للمهنة بعد عقود من الجمود. وقال المنجرة السعدي: «الهندسة ليست ترفاً عمرانياً، بل هي شرط من شروط التنمية، ولا يمكن أن يستمر الوضع كما هو عليه».
و أجمع المهندسون المشاركون على أن القوانين الحالية، التي تعود إلى سنتي 1952 و1980، لم تعد صالحة لتنظيم مهنة تعيش في زمن التحولات الرقمية والمجالية الكبرى. هذه النصوص، كما أكد المتدخلون، أصبحت عائقاً أمام تطور الممارسة، ومصدر فوضى في السوق المهنية، حيث باتت المنافسة غير متكافئة وغياب العدالة في توزيع المشاريع واقعاً يومياً.
ومن أبرز القضايا التي فجّرت النقاش، تأخر أداء مستحقات المهندسين، خاصة في المشاريع العمومية، حيث تظل المكاتب تنتظر شهوراً طويلة لتتوصل بمستحقاتها رغم إنجازها الكامل للدراسات والتصاميم. هذا التأخر، وفق ما أكده عدد من الحاضرين، تسبب في انهيار مكاتب هندسية وتراكم الديون، مما جعل المهنة تفقد استقرارها الاقتصادي.
و حذر المهندسون من تفشي ظاهرة “الدومبينغ”، أي خفض الأسعار بشكل مفرط يصل أحياناً إلى 40%، ما يؤدي إلى إفراغ العمل الهندسي من قيمته المعنوية والمهنية. وأشار بعضهم إلى أن هذا السلوك المدمر تغذيه الفوضى القانونية وغياب المراقبة، مؤكدين أن «الهندسة ليست سلعة، بل فكرٌ وإبداع، ومن يفرّط في قيمتها يفرّط في جمالية العمران الوطني».
أزمة أخرى لا تقل خطورة تتعلق بـالاحتكار، إذ أظهرت الأرقام أن 2% فقط من المهندسين يوقعون على 70% من المشاريع، في حين يعيش آلاف المهندسين الشباب حالة بطالة مقنّعة. واعتبر المشاركون أن هذا الواقع يضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص ويقضي على روح الابتكار لدى الأجيال الجديدة من المعماريين.
وتوقفت المداخلات أيضاً عند تعقيد المساطر الإدارية في التعمير، خاصة داخل الوكالات الحضرية، التي تحوّلت إلى آلة بيروقراطية تستهلك طاقاتها في تدبير الملفات اليومية بدل التخطيط الاستراتيجي للمدن. هذا التعقيد، كما جاء في النقاش، يدفع المستثمرين إلى العزوف، ويخلق بيئة خصبة للرشوة والوساطة.
ولم يَغِب البعد الأخلاقي عن النقاش، إذ أشار عدد من المتدخلين إلى غياب التكوين التطبيقي الجاد بعد إلغاء إلزامية التدريب، ما أفرز جيلاً من الخريجين يفتقر إلى الحس الميداني. كما تحدّثوا عن ظاهرة “التوقيع الصوري” على التصاميم دون تتبع التنفيذ، معتبرينها انحرافاً خطيراً يسيء إلى المهنة ويمسّ سلامة المواطنين والمباني.
في المقابل، خرجت المائدة المستديرة بحزمة من التوصيات الجريئة التي تعكس رغبة المهندسين في إحداث تغيير حقيقي، لا مجرد إصلاح تجميلي. فقد دعت النقابة إلى تحديث القوانين المنظمة للمهنة بما يتماشى مع الدستور الجديد ومتطلبات الحكامة، وفتح نقاش وطني موسّع حول الإطار القانوني للهندسة و ضمان الأداء العادل والآجال المحددة للمهندسين عبر عقود نموذجية ملزمة و إقرار تسعيرة مهنية إلزامية تحفظ التوازن بين جودة الخدمة وأجرها و تبسيط مساطر التراخيص العمرانية عبر مسار سريع للمشاريع الصغيرة يخفف الضغط عن الوكالات الحضرية و إحداث آليات رقابية مستقلة داخل الشباك الوحيد لمحاربة الفساد والوساطة و إعادة إلزامية التدريب المهني للمعماريين الشباب وتفعيل نظام تأهيل مهني صارم و إصلاح نظام المسابقات المعمارية بما يضمن تكافؤ الفرص وتعويض المشاركين و دعم المقاولات الهندسية الناشئة بتمويلات ميسّرة وضمانات قانونية للولوج إلى الصفقات العمومية.
من جانبه، حذر المهندس علي جسوس، نائب رئيس النقابة، من خطورة استمرار الوضع الحالي، قائلاً: «لا يمكن أن نبني مغرب الغد بقوانين الخمسينيات. الإصلاح اليوم لم يعد خياراً بل ضرورة وطنية». أما ممثل هيئة المهندسين المعماريين فشدد على أن غياب التنسيق بين المؤسسات يُضعف المردودية ويشتت الجهود، داعياً إلى تكامل الأدوار بين النقابة والهيئة والحكومة.
و وجه المهندسون نداءً صريحاً إلى السلطات الحكومية والبرلمان لفتح حوار وطني عاجل حول مستقبل المهنة. فالهندسة المعمارية، كما قال أحد المتدخلين، ليست مجرد مهنة تقنية، بل تعبير عن هوية الوطن وجماله وعدالته المجالية. وإذا استمر الصمت، فإن ما ينهار ليس فقط بيت المهندس، بل صورة المغرب العمرانية بأكملها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.