اختلالات سوق القمح تضع وزارة الفلاحة أمام اختبار الشفافية والمنافسة

0

جرّ تدهور مؤشرات الأمن الغذائي، وما رافقه من اختلالات بنيوية في سلسلة إنتاج واستيراد وتخزين وطحن القمح، الحكومة إلى مربع المساءلة البرلمانية، بعدما طالب عبد الله بوانو، رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية بمجلس النواب، بعقد اجتماع للجنة القطاعات الإنتاجية لمناقشة أعطاب هذا القطاع الاستراتيجي، في ظل معطيات رسمية صادرة عن مجلس المنافسة ترسم صورة مقلقة عن وضعية السوق.

وطالب بوانو، في مراسلة رسمية موجهة إلى رئيس لجنة القطاعات الإنتاجية، بانعقاد هذا الاجتماع بحضور وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، إلى جانب مدير المكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني، من أجل الوقوف على مكامن الخلل التي تطبع هذه السلسلة الحيوية، والبحث في السبل الكفيلة بتعزيز المنافسة، وضمان كفاءة السوق، وحسن توجيه الدعم العمومي الذي يخصص سنويًا لهذا القطاع.

واستند رئيس المجموعة النيابية في طلبه إلى خلاصات رأي صادر عن مجلس المنافسة حول السير التنافسي لسوق المطاحن بالمغرب، وهو الرأي الذي كشف عن اختلالات بنيوية عميقة، خاصة على مستوى حلقات الاستيراد والتخزين والطحن، حيث سجل هيمنة مجموعات محدودة على مفاصل أساسية في السوق، بما يضعف التنافسية ويحد من ولوج فاعلين جدد، ويؤثر سلبًا على شفافية الأسعار وجودة الخدمات.

وأشار بوانو إلى أن مجلس المنافسة نبه كذلك إلى اختلال التوازن بين الطاقة الإنتاجية المتوفرة لدى المطاحن والطلب الوطني الفعلي، وهو ما يؤدي، بحسب التقرير، إلى تعطيل كفاءة السوق، ويفتح المجال أمام ممارسات غير تنافسية، من شأنها الإضرار بالمستهلكين وبالاقتصاد الوطني على حد سواء. كما لفت إلى أن هذا الخلل البنيوي لا يمكن فصله عن غياب حكامة ناجعة في تدبير القطاع، وضعف آليات التتبع والمراقبة.

وسجل المسؤول البرلماني أن خطورة هذه الاختلالات تتضاعف بالنظر إلى الطابع الاستراتيجي لقطاع القمح، باعتباره مرتبطًا بشكل مباشر بالأمن الغذائي الوطني، وبالقدرة الشرائية للمواطنين، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتقلبات الأسواق الدولية. وأكد أن أي خلل في هذه السلسلة لا ينعكس فقط على الأسعار، بل يهدد الاستقرار الاجتماعي ويقوض الثقة في السياسات العمومية المتبعة.

كما شدد بوانو على أن هذا القطاع استفاد خلال السنوات الأخيرة من دعم عمومي مهم، سواء بشكل مباشر عبر دعم الاستيراد، أو غير مباشر من خلال تحفيزات وتسهيلات مختلفة، وهو ما يفرض، بحسبه، مساءلة حقيقية حول مدى نجاعة هذا الدعم، وحول ما إذا كان قد حقق الأهداف المرجوة منه، وفي مقدمتها حماية المستهلك، وضمان تزويد منتظم وبأسعار معقولة، وتحفيز الإنتاج الوطني.

ويرى متتبعون أن خطوة المجموعة النيابية للعدالة والتنمية تندرج في سياق إعادة فتح نقاش برلماني أوسع حول السياسات الفلاحية والغذائية، في ظل توالي الأزمات المناخية وارتفاع كلفة الاستيراد، وما يرافق ذلك من ضغط متزايد على المالية العمومية. كما تعكس هذه المبادرة سعيًا إلى تفعيل الأدوار الرقابية للبرلمان، وربط المسؤولية بالمحاسبة في قطاعات ذات حساسية اجتماعية واقتصادية عالية.

ومن المنتظر أن يثير الاجتماع، في حال انعقاده، نقاشًا حادًا حول مسؤولية الوزارة الوصية، ودور المكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني، ومدى التزام الفاعلين الاقتصاديين بقواعد المنافسة الشريفة، إضافة إلى تقييم فعالية التدخلات الحكومية السابقة. كما يتوقع أن تطرح تساؤلات بشأن الإصلاحات الضرورية لإعادة التوازن إلى السوق، وضمان عدالة الولوج، وتحقيق الأمن الغذائي كخيار سيادي لا يقبل التأجيل.

في المحصلة، يعكس هذا التحرك البرلماني تنامي القلق إزاء مستقبل قطاع القمح بالمغرب، ويضع الحكومة أمام اختبار حقيقي في تدبير ملف يلامس بشكل مباشر قوت المغاربة اليومي، ويستدعي قرارات جريئة تعيد الاعتبار للمنافسة، وتحصن الأمن الغذائي الوطني من منطق الاحتكار والاختلالات البنيوية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.