مجلس المنافسة: هيمنة ثلاث شركات كبرى أمام ارتفاع مواد البناء
كشف مجلس المنافسة في رأي حديث له حول السير التنافسي لسوق مواد البناء أن سوق الإسمنت بالمغرب تتسم بدرجة عالية من التركّز، حيث تهيمن ثلاث شركات كبرى على ما بين 80 و90 في المائة من السوق الوطنية الموجهة لأوراش البناء. وأبرز المجلس أن هذه البنية تعكس تموقعا قويا للفاعلين التاريخيين، في مقابل حضور محدود لباقي المتدخلين، ما يطرح تحديات مرتبطة بضمان تنافسية فعلية وتفادي أي مخاطر محتملة لتنسيق السلوكيات في ما بينهم.
وأوضح المجلس أن سبعة فاعلين ينشطون حاليا في السوق الوطنية، من بينهم ثلاث شركات مدعومة من مجموعات دولية كبرى، على غرار Holcim وHeidelberg Materials، إلى جانب فاعلين وطنيين. ويتعلق الأمر أساسا بشركة LafargeHolcim Maroc، التي تنشط في مختلف جهات المملكة وتتصدر السوق الوطنية، ثم Ciments du Maroc، فضلا عن Ciments de l’Atlas، التي عززت حضورها خلال السنوات الأخيرة.
ووفق المعطيات التي تضمنها رأي المجلس، تتربع “لافارج هولسيم المغرب” على رأس القدرة الإنتاجية الوطنية بحصة تناهز 50 في المائة، بطاقة تصل إلى 13,5 مليون طن سنويا. ويعد مصنع بوسكورة التابع لها الأكبر من حيث القدرة الإنتاجية المتاحة، بما يفوق 3,1 مليون طن سنويا. وتأتي “سيمونت دو ماروك” في المرتبة الثانية بقدرة إنتاجية تبلغ 6,3 مليون طن، أي ما يعادل 23,1 في المائة من القدرة الوطنية، فيما يشكل مصنع آيت باها بأكادير أحد أكبر الوحدات الصناعية في القطاع.
وأشار المجلس إلى أن جهة الدار البيضاء – سطات تنتج أكثر من ثلث الإسمنت المصنع وطنيا، مستفيدة من تمركز قدرات إنتاجية كبيرة داخل نفوذها الترابي، وهو ما يعكس ارتباط القطاع بالدينامية العمرانية والاقتصادية التي تعرفها الجهة. كما لفت إلى أن المساهمة الجبائية لصناعة الإسمنت بلغت حوالي 7,065 مليار درهم خلال سنة 2024، متضمنة الرسوم الجمركية والرسم الخاص المفروض على الإسمنت، ما يبرز ثقل القطاع في المالية العمومية.
وبلغ حجم سوق الإسمنت الموجه لأوراش البناء سنة 2024 نحو 9,1 مليون طن، بقيمة إجمالية تقدر بـ9,654 مليار درهم. واستحوذ إسمنت من نوع CPJ 45 على الحصة الأكبر من المبيعات، سواء من حيث الكمية أو القيمة، خصوصا الصنف المعبأ في الأكياس، الذي يظل الأكثر طلبا في السوق. ومن حيث قنوات التوزيع، يهيمن الموزعون على نحو 92 في المائة من المبيعات، بينما لا تتجاوز حصة شركات البناء والأشغال العمومية 6 في المائة، فيما تتقاسم النسبة المتبقية شركات الخرسانة الجاهزة ومحطات الطحن.
وسجل مجلس المنافسة أن الطابع المركز لسوق الإسمنت لا يقتصر على المغرب، بل يشمل عددا من الدول، بالنظر إلى طبيعة القطاع التي تتطلب استثمارات ضخمة وقربا من مصادر المواد الأولية ومناطق الاستهلاك. غير أن هذه البنية، بحسب المجلس، تنطوي على مخاطر محتملة لتنسيق سلوك الفاعلين، سواء في ما يتعلق بتحديد الأسعار أو بتقليص الكميات المعروضة أو بإبطاء وتيرة الابتكار.
ويأتي هذا التشخيص في سياق أوسع يتسم بارتفاع أسعار عدد من مواد البناء خلال السنوات الأخيرة، وهو ما انعكس على كلفة إنجاز المشاريع العقارية والبنيات التحتية، وأثار نقاشا واسعا حول شروط المنافسة داخل القطاع. فالإسمنت، باعتباره مادة أساسية في مختلف الأوراش، يشكل عنصرا حاسما في تحديد الكلفة الإجمالية للبناء، ما يجعل أي اختلال في بنيته التنافسية ذا تأثير مباشر على القدرة الشرائية للأسر وعلى استثمارات المقاولات.
وأكد المجلس أن بعض الأسواق الجهوية، مثل فاس – مكناس وطنجة – تطوان – الحسيمة وسوس – ماسة وبني ملال – خنيفرة والشرق، تتسم بوضعيات تتراوح بين احتكار ثنائي واحتكار قلة، مع دخول فاعلين جدد في بعض الحالات. ورغم هذا التركّز، أشار إلى وجود دينامية تنافسية بين الفاعلين، سواء التاريخيين أو الوافدين الجدد، بهدف تعزيز الحصص السوقية وتحسين التموضع الاستراتيجي.
غير أن المجلس شدد على ضرورة تتبع تطور السوق بشكل مستمر، تفاديا لأي ممارسات من شأنها الإخلال بقواعد المنافسة الحرة، خاصة في ظل محدودية حصة مراكز الطحن المستقلة التي لا تتجاوز 5 في المائة خلال سنتي 2023 و2024. كما اعتبر أن ضمان شفافية الأسعار وتحفيز الابتكار يشكلان ركيزتين أساسيتين لتعزيز تنافسية القطاع وضمان توازن العلاقة بين المنتجين والمستهلكين.
وخلص مجلس المنافسة إلى أن سوق الإسمنت الوطنية، ببنيتها الحالية، تعكس اختيارات استراتيجية للفاعلين الكبار تهدف إلى تحقيق مردودية مرتفعة في قطاع كثيف الرساميل، لكنه في المقابل يتطلب يقظة مؤسساتية دائمة لضمان احترام قواعد المنافسة، خاصة في سياق يعرف استمرار ارتفاع أسعار مواد البناء وتزايد الطلب المرتبط بالمشاريع السكنية والبنيات التحتية.