المملكة المتحدة: الاقتصاد على محك الحرب في الشرق الأوسط

0

يواجه الاقتصاد البريطاني اختبارا صعبا بفعل تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، في وقت كان فيه حزب العمال، العائد إلى السلطة سنة 2024، يعتزم إطلاق خطة لإنعاش الاقتصاد ابتداء من أبريل المقبل، ترتكز أساسا على خفض كلفة المعيشة التي أصبحت تثقل كاهل ملايين البريطانيين.

غير أن هذه الطموحات تبدو اليوم مهددة في ظل الحرب التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، إذ تواجه المملكة المتحدة، شأنها شأن العديد من الاقتصادات العالمية، تداعيات صدمة طاقية ناجمة عن الارتفاع الحاد في أسعار النفط في الأسواق الدولية.
وأظهرت أرقام نشرت، أن الاقتصاد البريطاني لم يسجل أي نمو خلال شهر يناير الماضي، أي قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط.
وبحسب مكتب الإحصاءات الوطنية، فإن الوضع الاقتصادي العام يظل “معتدلا”، في حين وصف محللون بداية السنة بأنها “مخيبة للآمال”.
ولم يكن هذا الأداء متوقعا، إذ كانت تقديرات المحللين ومراكز الأبحاث ترجح نتائج أفضل. غير أن قطاع الخدمات، الذي يعد أحد المحركات الرئيسية للاقتصاد البريطاني، لم يسجل أي نمو في يناير، مما انعكس سلبا على الأداء الاقتصادي العام خلال الشهر الأول من السنة.
وبعيدا عن ضعف أداء الناتج الداخلي الإجمالي، يحتدم النقاش حاليا بين الحكومة والمحللين ومراكز الأبحاث بشأن التأثير المحتمل لاستمرار الحرب في الشرق الأوسط على اقتصاد لم يستعد بعد وتيرته الطبيعية.

ومنذ بدء المواجهات العسكرية، كثفت وزيرة المالية البريطانية، راشيل ريفز، تصريحاتها لشرح الإجراءات التي تعتزم الحكومة اتخاذها للتخفيف من آثار الصدمة الطاقية المرتقبة.
وحذرت الوزيرة من أن الحرب في الشرق الأوسط قد تدفع التضخم إلى الارتفاع، بعدما كان متوقعا أن يبلغ في الربيع الهدف المحدد من قبل بنك إنجلترا عند 2 في المائة. وأكدت أن خفض التصعيد بسرعة يظل أفضل وسيلة لتفادي ارتفاع كبير في أسعار الطاقة. ورغم هذه التحديات، واصلت وزيرة المالية الدفاع عن خطتها الاقتصادية، واصفة إياها ب”الخطة الصحيحة”.
وقالت في هذا الصدد “في عالم يتسم بعدم اليقين، نعمل على بناء اقتصاد أقوى وأكثر أمانا عبر خفض كلفة المعيشة، وتقليص الدين الوطني، وتهيئة ظروف نمو يستفيد منه جميع المواطنين في مختلف مناطق البلاد”.
من جهته، حذر رئيس الوزراء كير ستارمر من أن استمرار النزاع قد ينعكس بشكل متزايد على الاقتصاد البريطاني، مؤكدا أن طول أمد الحرب من شأنه أن يفاقم تداعياتها الاقتصادية.
وبالفعل، بدأت كلفة الوقود ترتفع في محطات البنزين ولدى مستعملي زيت التدفئة المنزلية، في حين ستظل الأسر المشمولة بسقف أسعار الطاقة الذي تحدده هيئة تنظيم الطاقة “أوفغيم” محمية من أي زيادات في التعريفات إلى غاية شهر يوليوز.
ووفق تحليلات نشرتها الصحافة البريطانية، فإن استمرار الحرب في الشرق الأوسط قد يؤثر على إنفاق الأسر، وربما يقوض أولوية الحكومة العمالية الرامية إلى تحفيز النمو الاقتصادي.
وفي الوقت ذاته، تواصل حكومة ستارمر دراسة مختلف الخيارات للتخفيف من آثار الصدمة الطاقية. وفي هذا السياق، أكدت ريفز أن الخزانة البريطانية مستعدة لدعم إطلاق عملية منسقة للإفراج عن الاحتياطات النفطية.

غير أن الضغوط السياسية تتزايد على الحكومة من أجل اتخاذ تدابير أكثر جرأة. فقد اعتبر اتحاد النقابات العمالية، أكبر منظمة نقابية في البلاد، أن “العمال يواجهون الآن أزمة حقيقية في كلفة المعيشة”، داعيا الحكومة إلى “بذل كل ما في وسعها لحماية الأسر والشركات من هذه الصدمة العالمية”.
وفي السياق ذاته، حذر أكثر من أربعين نائبا من حزب العمال يمثلون دوائر انتخابية ريفية من أن الأسر المعتمدة على زيت التدفئة المنزلية قد تواجه خطر الانزلاق إلى الفقر.
ويبلغ عدد الأسر البريطانية غير المرتبطة بشبكة الغاز نحو 1,5 مليون أسرة، وهي لا تستفيد من سقف أسعار الطاقة الذي تحدده هيئة “أوفغيم”. ووفق تقرير صادر عن مجموعة “لابور رورال ريسيرش غروب”، فقد سجلت بعض الأسر القروية زيادات في أسعار زيت التدفئة وصلت في بعض الحالات إلى 117 في المائة.

وفي ظل هذا المناخ الذي يطبعه قدر كبير من عدم اليقين، يحذر محللون من خطر الدخول في مرحلة “ركود تضخمي”، أي مزيج من تضخم مرتفع ونمو اقتصادي ضعيف، بل وحتى احتمال حدوث ركود إذا استمرت أسعار الطاقة في الارتفاع.
وفي هذا الصدد، قال كبير الاقتصاديين في شركة “آر إس إم يو كاي”، توماس بوغ، إنه “إذا ظلت أسعار الطاقة عند مستوياتها الحالية، فإن احتمال حدوث موجة جديدة من الركود التضخمي يبدو كبيرا، مع توقع أن يتراجع النمو إلى نحو 0,5 في المائة خلال السنة الجارية”.
وتتوافق هذه المخاوف مع تحذيرات مكتب مسؤولية الميزانية، الهيئة البريطانية المستقلة المكلفة بمراقبة المالية العمومية، الذي أشار في وقت سابق من هذا الأسبوع إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة بسبب النزاع في الشرق الأوسط قد يرفع معدل التضخم في المملكة المتحدة بنقطة مئوية إضافية فوق التوقعات، ليبلغ نحو 3 في المائة بحلول نهاية السنة.
وكان المكتب قد خفض، في بيانه الربيعي الأخير حول الميزانية، توقعاته لنمو الاقتصاد البريطاني هذه السنة إلى 1,1 في المائة، مقابل 1,4 في المائة في تقديرات سابقة، وذلك حتى قبل اندلاع النزاع مع إيران.
وتعزز هذه المعطيات المخاوف من تباطؤ اقتصادي مطول في المملكة المتحدة، في ظل سياق دولي يتسم بتقلب أسواق الطاقة وتصاعد التوترات الجيوسياسية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.