أحزاب ونقابات تدعو الحكومة لضبط أسعار المحروقات هيئات المستهلك تحذر من موجة غلاء تضرب القدرة الشرائية

0

تتزايد حدة الانتقادات الموجهة إلى الحكومة على خلفية الارتفاعات المتتالية في أسعار المحروقات، في وقت تتقاطع فيه مواقف أحزاب سياسية ونقابات عمالية وهيئات حماية المستهلك حول ضرورة تدخل عاجل لضبط السوق وحماية القدرة الشرائية للمواطنين. وتجمع هذه الأطراف على أن التذرع بالتقلبات الدولية لم يعد مبرراً كافياً لغياب إجراءات فعالة تحد من انعكاس الأزمات العالمية على السوق الوطنية.

في هذا السياق، دعا حزب التقدم والاشتراكية إلى اتخاذ تدابير مستعجلة لضبط سوق المحروقات وتعزيز السيادة الاقتصادية والطاقية، معتبراً أن تداعيات الاضطرابات الدولية، خاصة في منطقة الخليج، لا تعفي الحكومة من مسؤولياتها في حماية المواطنين. وأكد الحزب أن تأثير الأوضاع العالمية على سلاسل التوريد وأسعار الطاقة “لا ينفي نهائياً” واجب السلطة التنفيذية في استباق المخاطر، عبر تقوية آليات التخزين الاستراتيجي ورصد تطورات السوق بشكل مستمر.

وشدد الحزب على ضرورة تفعيل أدوات قانونية واضحة، من بينها تسقيف الأسعار، إلى جانب استخدام الآليات الجمركية والجبائية، وتعزيز مراقبة الممارسات المخلة بالمنافسة، مثل التفاهمات غير المشروعة وتضارب المصالح. كما أعاد التأكيد على مطلب إعادة تشغيل مصفاة “لاسامير”، لما لها من دور محوري في التخزين وضمان نوع من الاستقلال الطاقي.

وانتقد الحزب ما وصفه بـ”المفارقة غير المقبولة” في تفاعل السوق المحلية مع التقلبات الدولية، حيث ترتفع الأسعار بسرعة كبيرة عند الأزمات، لكنها لا تنخفض بنفس الوتيرة عند تراجع الأسعار عالمياً، وهو ما يطرح، بحسب تعبيره، تساؤلات حول شفافية السوق وآليات تحديد الأسعار.

وعلى صعيد متصل، عبّر الحزب عن رفضه لقرار الحكومة إطلاق دعم جديد لقطاع النقل، معتبراً أن هذه المقاربة سبق أن أثبتت محدوديتها، إذ كلفت ميزانية الدولة مبالغ ضخمة دون أن تنعكس بشكل ملموس على القدرة الشرائية للمواطنين. وأكد أن الظرفية الحالية تتطلب حلولاً شمولية بدل إجراءات جزئية تستهدف فئات محدودة، داعياً إلى توجيه أي دعم محتمل نحو المهنيين الفعليين لضمان العدالة والنجاعة.

في موازاة ذلك، صعّدت النقابات من لهجتها تجاه الزيادات الأخيرة، حيث استنكر الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب ما وصفه بـ”الزيادة المفاجئة وغير المبررة” التي بلغت درهمين للتر الواحد، معتبراً أنها ضربة جديدة للقدرة الشرائية وتعكس غياب الحس الاجتماعي في تدبير هذا الملف.

وانتقدت النقابة الطريقة التي تم بها تطبيق هذه الزيادات، مشيرة إلى أن بعض محطات الوقود سارعت إلى اعتماد الأسعار الجديدة قبل دخولها حيز التنفيذ الرسمي، في سلوك اعتبرته دليلاً على الجشع وغياب المراقبة الحكومية. كما تساءلت عن مدى احترام شركات التوزيع لالتزامها القانوني المتعلق بتوفير مخزون احتياطي لمدة 60 يوماً، معتبرة أن الانعكاس الفوري للأزمات الخارجية على السوق الوطنية يكشف خللاً واضحاً في منظومة الأمن الطاقي.

وحذرت النقابة من تداعيات هذه الزيادات على قطاع النقل، الذي يواجه، بحسب وصفها، ضغوطاً خانقة تهدد بإفلاس العديد من المهنيين، نتيجة ما اعتبرته ممارسات غير تنافسية وهيمنة بعض الفاعلين في السوق. ودعت إلى تدخل مجلس المنافسة لاتخاذ إجراءات زجرية صارمة لوقف هذه الاختلالات.

كما نبهت إلى أن ارتفاع أسعار المحروقات لن يظل محصوراً في هذا القطاع، بل سيمتد ليشمل مختلف السلع والخدمات، نظراً للدور المركزي الذي يلعبه النقل في سلسلة التوزيع، مما ينذر بموجة تضخمية جديدة ستؤثر بشكل مباشر على معيشة المواطنين وتضعف الطلب الداخلي.

من جهتها، دخلت هيئات حماية المستهلك على خط هذا الجدل، معبرة عن قلقها من الارتفاعات “الصاروخية” التي شهدتها أسعار المحروقات، والتي بلغت درهمين للتر الواحد. واعتبرت الجامعة الوطنية لجمعيات المستهلك أن هذه الزيادات لها انعكاسات مباشرة وخطيرة على القدرة الشرائية، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.

 

وأكدت الجامعة أن تأثير هذه الزيادات لا يقتصر على الوقود فقط، بل يمتد إلى أسعار النقل والمواد الأساسية والخدمات، مما يزيد من الأعباء المالية على الأسر. كما أثارت تساؤلات حول تزامن تعديل الأسعار بين مختلف الفاعلين في السوق، معتبرة أن هذا الأمر قد يثير شبهات تتعلق بممارسات منافية لقواعد المنافسة.

وسجلت الجامعة أيضاً حالات رفض بعض محطات الوقود بيع المحروقات قبل دخول الأسعار الجديدة حيز التنفيذ، ووصفت هذه السلوكيات بأنها غير قانونية وتمس بحقوق المستهلكين، مطالبة بفتح تحقيقات عاجلة وتعزيز الرقابة.

ودعت هيئات المستهلك الحكومة إلى اتخاذ إجراءات ملموسة، من بينها مراجعة مؤقتة للضرائب المفروضة على الوقود، خاصة الضريبة الداخلية على الاستهلاك والضريبة على القيمة المضافة، بهدف التخفيف من أثر الزيادات الدولية. كما طالبت بتحديد هوامش الربح أو تنظيم الأسعار وفقاً للقوانين المعمول بها، مع تعزيز الشفافية في ما يتعلق ببنية الأسعار داخل قطاع التوزيع.

وشددت على ضرورة عدم استغلال ارتفاع أسعار المحروقات لتبرير زيادات في أسعار السلع والخدمات، خاصة في ظل غياب تخفيضات مماثلة عند تراجع أسعار الوقود، وهو ما يكرس اختلالاً واضحاً في السوق.

في المحصلة، يكشف هذا التلاقي بين مواقف الأحزاب والنقابات وهيئات المستهلك عن تصاعد الضغط على الحكومة للتدخل بشكل حاسم في سوق المحروقات، في ظل تنامي المخاوف من تأثيرات اجتماعية واقتصادية واسعة. وبين الدعوات إلى تسقيف الأسعار وتعزيز الرقابة وإصلاح منظومة الأمن الطاقي، يظل التحدي الأكبر هو إيجاد توازن بين تقلبات السوق الدولية ومتطلبات الاستقرار الداخلي، بما يضمن حماية القدرة الشرائية والحفاظ على التوازنات الاقتصادية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.