الحرب في الشرق الأوسط أربكت سلاسل التوريد والاستيراد
تشهد سلاسل التوريد العالمية اضطراباً متزايداً بسبب التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط منذ نهاية فبراير 2026، وهو ما انعكس بشكل مباشر على نشاط الاستيراد في المغرب. فقد وجد المستوردون أنفسهم أمام تحديات غير مسبوقة، تمثلت أساساً في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى زيادة أسعار المواد الأولية وتأخر وصول السلع، ما أثر على توازن السوق الوطنية.
في هذا السياق، أفاد مهنيون في قطاع الاستيراد بأن تكلفة المواد الأولية شهدت ارتفاعاً ملحوظاً، خصوصاً في مجال الأقمشة والمنسوجات، حيث انتقلت الأسعار من حوالي 2.5 دولار إلى ما يقارب 4 دولارات للوحدة. ويرتبط هذا الارتفاع بزيادة كلفة المدخلات الصناعية والمعادن المرتبطة بها، والتي يتم استيرادها بشكل أساسي من دول آسيوية مثل الصين وكوريا.
ولم تقتصر التأثيرات على المواد الخام فقط، بل امتدت إلى تكاليف الشحن البحري، التي عرفت قفزة كبيرة. فقد ارتفعت تكلفة الحاوية الواحدة من ما بين 2000 و2500 دولار إلى مستويات تتراوح بين 8000 و9000 دولار، أي بزيادة تصل إلى ثلاثة أضعاف. ويعزى هذا الارتفاع إلى تغيير المسارات البحرية لتفادي مناطق النزاع، بالإضافة إلى ارتفاع رسوم التأمين نتيجة المخاطر المرتبطة بالحرب.
كما أدى هذا الوضع إلى إطالة مدة وصول الشحنات، حيث تضاعفت تقريباً، إذ كانت تستغرق في السابق نحو شهر ونصف، لكنها أصبحت الآن تمتد إلى شهرين أو حتى ثلاثة أشهر في بعض الحالات. هذا التأخير تسبب في اختلال في تزويد السوق بالسلع، وأثر على استمرارية نشاط عدد من المقاولات، خاصة الصغيرة والمتوسطة.
من جهة أخرى، سجلت تكاليف السفر المهني نحو الأسواق الآسيوية ارتفاعاً غير مسبوق، حيث قفزت أسعار تذاكر الطيران إلى مستويات قياسية، سواء في درجة رجال الأعمال أو الدرجة الاقتصادية. هذا الارتفاع دفع العديد من الفاعلين الاقتصاديين إلى تقليص مشاركتهم في المعارض الدولية، ما انعكس سلباً على فرص تطوير علاقاتهم التجارية مع الموردين.
أمام هذه التحديات المتزايدة، اتخذت السلطات مجموعة من التدابير الاستثنائية بهدف التخفيف من آثار الأزمة وضمان استمرارية المبادلات التجارية. وقد تم التركيز على إدخال مرونة أكبر في معالجة عمليات الاستيراد، خصوصاً على المستوى البنكي والإداري.
في هذا الإطار، تم اعتماد آليات جديدة تسمح للبنوك بتسوية عمليات الاستيراد اعتماداً على النسخ الرقمية لوثائق الشحن، بدلاً من الوثائق الأصلية، وذلك عبر استخدام وسائل اتصال مؤمنة. وتهدف هذه الخطوة إلى تجاوز التأخيرات الناتجة عن اضطراب حركة النقل الدولي، وضمان استمرار تمويل الواردات دون تعطيل.
وتكتسي هذه الإجراءات أهمية خاصة بالنظر إلى اعتماد عدد من القطاعات الصناعية في المغرب على المواد الأولية المستوردة، وعلى رأسها قطاع النسيج، الذي يعتمد بشكل كبير على مدخلات قادمة من دول مثل الهند والصين ومصر. وبالتالي، فإن أي خلل في سلاسل التوريد ينعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج المحلي وعلى أسعار المنتجات النهائية.
في المقابل، يواجه المستوردون تحديات مالية متزايدة نتيجة ارتفاع التكاليف، ما يضعهم أمام ضغوط كبيرة للحفاظ على استقرار أسعار البيع في السوق الداخلية. كما أن استمرار هذه الأزمة لفترة طويلة قد يؤدي إلى تأثيرات أعمق على القدرة الشرائية للمواطنين، وعلى تنافسية الاقتصاد الوطني.
وفي ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن تطورات الوضع في الشرق الأوسط، يعيش الفاعلون الاقتصاديون حالة من الترقب، مع تزايد المخاوف من طول أمد الأزمة. ويؤكد المهنيون أن المرحلة الحالية تتطلب تعزيز آليات التكيف والمرونة، سواء على مستوى السياسات العمومية أو على مستوى استراتيجيات المقاولات، لمواجهة التحولات المتسارعة في الاقتصاد العالمي.
وبين ارتفاع التكاليف وتعقد المسارات اللوجستية، يبقى التحدي الأكبر هو الحفاظ على توازن السوق وضمان تدفق السلع بشكل منتظم، في انتظار انفراج محتمل يعيد الاستقرار إلى سلاسل التوريد الدولية