شبكة صحية تحذر من “تسليع” الخدمات الطبية
دقت الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة ناقوس الخطر بشأن واقع المنظومة الصحية في المغرب، محذّرة من تعمق الفوارق الاجتماعية والمجالية في الولوج إلى العلاج، ومن تحول الخدمات الصحية تدريجياً من حق دستوري إلى سلعة تخضع لمنطق السوق والقدرة الشرائية.
وأكدت الشبكة، في بيان لها، أن النظام الصحي الوطني يسير بسرعتين: الأولى موجهة لفئات قادرة على تحمل تكاليف العلاج في القطاع الخاص، والثانية لفئات واسعة من المواطنين الذين يواجهون صعوبات حقيقية في الاستفادة من خدمات صحية لائقة داخل المرافق العمومية. هذا الوضع، بحسب المصدر ذاته، يفرغ مبدأ الحق في الصحة من مضمونه، ويجعل الاستفادة من العلاج مرتبطة بالانتماء الطبقي والموقع الجغرافي.
وشددت الشبكة على أن المحددات الاجتماعية للصحة، مثل السكن اللائق، والتعليم الجيد، وفرص الشغل، والأمن الغذائي، والولوج إلى الماء والبيئة السليمة، تلعب دوراً محورياً في تحديد الوضع الصحي للأفراد. غير أن هذه العوامل، وفق البيان، لا تحظى بالاهتمام الكافي ضمن السياسات العمومية، ما يساهم في تكريس الفوارق الصحية بين مختلف فئات المجتمع، خصوصاً بين المناطق الحضرية والقروية.
وتبرز هذه الفوارق بشكل جلي في المؤشرات الصحية، حيث تسجل المناطق القروية معدلات أعلى لوفيات الأمهات والأطفال مقارنة بالمدن، في انعكاس مباشر لضعف البنيات التحتية الصحية ونقص الموارد البشرية والتجهيزات الأساسية. كما أن انتشار الفقر متعدد الأبعاد وانعدام الأمن الغذائي يزيدان من هشاشة الوضع الصحي في هذه المناطق، ويضاعفان من مخاطر الإصابة بالأمراض.
وفي تشخيصها لوضع التمويل، اعتبرت الشبكة أن المنظومة الصحية العمومية تعاني من اختلالات عميقة، في ظل هيمنة القطاع الخاص على الجزء الأكبر من نفقات التأمين الإجباري عن المرض. إذ يستحوذ هذا القطاع على نحو 91 في المائة من هذه النفقات، مقابل 9 في المائة فقط للمستشفيات العمومية، ما يطرح تساؤلات حول العدالة في توزيع الموارد وحول قدرة القطاع العام على الاستجابة لحاجيات المواطنين.
ويزداد الوضع تعقيداً مع استمرار وجود نسبة مهمة من المغاربة خارج أي تغطية صحية، حيث تشير المعطيات إلى أن حوالي 30 في المائة من السكان لا يتوفرون على تأمين صحي، ما يجعلهم يعتمدون بشكل شبه كلي على المستشفيات العمومية، رغم محدودية إمكانياتها. هذا الضغط المتزايد يؤدي إلى تدهور جودة الخدمات، وإلى إطالة آجال الانتظار لإجراء العمليات الجراحية والفحوصات المتخصصة.
ولا تقف الإشكالات عند حدود التمويل، بل تمتد إلى ضعف الحكامة ونقص الموارد البشرية. إذ تعاني المستشفيات العمومية من خصاص كبير في الأطر الطبية والتمريضية، يقدر بأكثر من 32 ألف طبيب و65 ألف ممرض، إلى جانب اختلالات في توزيع هذه الموارد بين الجهات. وفي المقابل، يستقطب القطاع الخاص نسبة مهمة من المهنيين بفضل ظروف عمل أفضل وأجور أعلى، ما يعمق الفجوة بين القطاعين.
كما تعاني المؤسسات الصحية العمومية من تقادم التجهيزات الطبية وكثرة أعطابها، وهو ما ينعكس سلباً على جودة الخدمات المقدمة. ففي العديد من الحالات، يضطر المرضى إلى الانتظار لأشهر طويلة، قد تصل إلى سنة كاملة، من أجل إجراء فحوصات متقدمة مثل التصوير بالرنين المغناطيسي أو الأشعة المقطعية، ما يؤخر التشخيص والعلاج ويزيد من معاناة المرضى.
في المقابل، يشهد القطاع الصحي الخاص دينامية متسارعة، خاصة في المدن الكبرى، حيث تتزايد الاستثمارات في المصحات والتجهيزات الحديثة، بما في ذلك الجراحة بالروبوت واستخدامات الذكاء الاصطناعي في التشخيص والعلاج. ورغم أهمية هذا التطور التكنولوجي، ترى الشبكة أنه يعكس توجهاً متزايداً نحو اعتبار الصحة مجالاً للاستثمار الربحي، أكثر منه خدمة عمومية ذات بعد اجتماعي.
وفي ظل هذه التحديات، دعت الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة وشاملة لإصلاح المنظومة الصحية. ومن بين أبرز التوصيات، إحداث هيئة مستقلة تتولى تنظيم أسعار الخدمات الصحية في المصحات الخاصة، ومراقبة الفواتير، والتصدي لأي ممارسات استغلالية في مجال التأمين الصحي.
كما شددت على ضرورة إعادة الاعتبار للمستشفى العمومي، من خلال تعزيز تمويله، وتحسين حكامته، وتأهيل بنياته التحتية، وتوفير الموارد البشرية الكافية، مع العمل على تحقيق توزيع عادل للأطر الصحية بين مختلف الجهات. ودعت أيضاً إلى إصلاح منظومة التكوين الطبي والتمريضي، وتحديث المناهج بما يواكب التطورات العلمية والتكنولوجية.
وختمت الشبكة بيانها بالتأكيد على أن إدماج التكنولوجيا في القطاع الصحي، رغم أهميته، لا يمكن أن يكون بديلاً عن ضمان العدالة في الولوج إلى العلاج. فالتقدم العلمي، حسب تعبيرها، يظل ناقصاً إذا لم يصاحبه التزام فعلي بمبدأ “ديمقراطية العلاج”، حيث يكون الحق في الصحة مكفولاً لجميع المواطنين، بغض النظر عن أوضاعهم الاجتماعية أو قدرتهم الشرائية.