تدهور معيشة الأسر المغربية في عهد أخنوش

0

 

تشهد الأوضاع المعيشية للأسر المغربية تدهوراً مقلقاً في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف الحياة، وفق ما كشفته نتائج بحث الظرفية الأخير الذي أنجزته المندوبية السامية للتخطيط خلال الفصل الأول من سنة 2026. هذه المعطيات تعكس حالة عامة من الإحباط وعدم الرضا، حيث عبرت أغلبية واسعة من الأسر عن شعورها بتراجع مستوى عيشها، في سياق يتسم بغلاء متواصل وغياب مؤشرات قوية على تحسن قريب.

وأظهرت نتائج البحث أن حوالي 75,1% من الأسر صرحت بتدهور مستوى معيشتها خلال الاثني عشر شهراً الماضية، وهو رقم يعكس حجم الأزمة الاجتماعية التي باتت تضغط على فئات واسعة من المجتمع. في المقابل، لم تتجاوز نسبة الأسر التي اعتبرت أن وضعها تحسن 5,8%، بينما رأت 19,1% أن وضعها ظل مستقراً. هذه الأرقام تعكس اختلالاً واضحاً في التوازن الاجتماعي، حيث يغلب الشعور بالتراجع على حساب الاستقرار أو التحسن.

ولا يقف القلق عند حدود الحاضر، بل يمتد إلى المستقبل، إذ تتوقع 45,1% من الأسر استمرار تدهور أوضاعها خلال السنة المقبلة، مقابل 38,5% تتوقع استقراراً نسبياً، في حين لا تتجاوز نسبة المتفائلين بتحسن الأوضاع 16,4%. هذا التشاؤم الجماعي يعكس فقدان الثقة في قدرة السياسات الاقتصادية الحالية على تحقيق انفراج ملموس، خاصة في ظل استمرار نفس المؤشرات السلبية.

وفي ما يتعلق بسوق الشغل، أبدت الأسر مخاوف متزايدة من تفاقم البطالة، حيث توقعت 57,9% منها ارتفاع عدد العاطلين خلال الأشهر القادمة، مقابل 23,2% فقط ترجح انخفاضه. ويعكس هذا التصور حالة من القلق حول مستقبل فرص العمل، خاصة لدى الشباب، في ظل تباطؤ النمو الاقتصادي وعدم قدرته على خلق مناصب شغل كافية.

أما على مستوى الاستهلاك، فقد عبرت 66,9% من الأسر عن أن الظرفية الحالية غير ملائمة لاقتناء السلع المستديمة، مثل الأجهزة المنزلية أو السيارات، وهو ما يعكس تراجع الثقة في القدرة الشرائية وميلاً نحو تقليص النفقات والتركيز على الضروريات. في المقابل، لم تتجاوز نسبة الأسر التي ترى عكس ذلك 15,9%، ما يؤكد عمق الحذر الذي يطبع سلوك المستهلك المغربي.

وتكشف المعطيات المرتبطة بالوضعية المالية للأسر عن ضغوط متزايدة، حيث صرحت 59,9% من الأسر بأن مداخيلها بالكاد تغطي مصاريفها، بينما اضطرت 37,5% إلى استنزاف مدخراتها أو اللجوء إلى الاقتراض لتدبير نفقاتها اليومية. الأخطر من ذلك أن نسبة الأسر التي تمكنت من ادخار جزء من مداخيلها لم تتجاوز 2,5%، وهو مؤشر واضح على هشاشة الوضع المالي لغالبية الأسر.

وبخصوص القدرة المستقبلية على الادخار، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ عبرت 87,8% من الأسر عن عدم قدرتها على الادخار خلال السنة المقبلة، مقابل 12,1% فقط ترى أنها قد تتمكن من ذلك. هذا التراجع في الادخار لا يعكس فقط صعوبة الظرفية الحالية، بل ينذر أيضاً بتراجع القدرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.

وفي ما يتعلق بتطور الوضعية المالية خلال السنة الماضية، صرحت 41,5% من الأسر بتدهورها، مقابل 4,8% فقط سجلت تحسناً، ما يؤكد الاتجاه العام نحو التراجع. أما بالنسبة للتوقعات المستقبلية، فتبدو أكثر توازناً نسبياً، حيث تتوقع 21,1% تحسن وضعيتها، مقابل 15,3% تتوقع مزيداً من التدهور، غير أن هذا التفاؤل النسبي يظل محدوداً في ظل المؤشرات العامة السلبية.

ويظل غلاء أسعار المواد الغذائية العامل الأكثر تأثيراً في تدهور معيشة الأسر، حيث أكدت 93,3% منها أن هذه الأسعار شهدت ارتفاعاً خلال السنة الماضية. كما تتوقع 78,9% استمرار هذا الارتفاع خلال الأشهر المقبلة، مقابل نسبة ضئيلة لا تتجاوز 2,4% ترجح انخفاضها. هذه المعطيات تعكس الضغط الكبير الذي تمارسه كلفة الغذاء على الميزانية الأسرية، خاصة لدى الفئات ذات الدخل المحدود.

في ظل هذه المؤشرات، يتضح أن التحدي الأكبر الذي تواجهه الحكومة يتمثل في استعادة التوازن الاجتماعي وتحسين القدرة الشرائية للأسر، عبر سياسات فعالة تستهدف كبح التضخم، ودعم الدخل، وتحفيز التشغيل. غير أن استمرار نفس الاتجاهات الحالية قد يؤدي إلى تعميق الفوارق الاجتماعية وتزايد الاحتقان، ما يجعل من الضروري إعادة النظر في المقاربات الاقتصادية المعتمدة، بما يضمن استجابة حقيقية لتطلعات المواطنين وتحسين ظروف عيشهم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.