رغم الأزمة..ارتفاع ودائع الأسر والمقاولات ينعش السيولة البنكية بالمغرب
كشف بنك المغرب عن استمرار المنحى التصاعدي للودائع البنكية خلال الربع الأول من سنة 2026، في مؤشر يعكس تنامي ثقة الأسر والمقاولات في القطاع البنكي، رغم التحديات الاقتصادية المرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة وتباطؤ الاستثمار في بعض القطاعات. وأفادت معطيات البنك المركزي بأن مجموع الودائع لدى البنوك بلغ ما يناهز 1383,5 مليار درهم مع نهاية الأشهر الثلاثة الأولى من السنة الجارية، مسجلا ارتفاعا سنويا بنسبة 8,4 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
ويبرز هذا التطور الدينامية التي يعرفها الادخار البنكي بالمغرب، خاصة في ظل استمرار توجه الأسر نحو الاحتفاظ بمدخراتها داخل المؤسسات البنكية، سواء في الحسابات الجارية أو الودائع لأجل وحسابات التوفير. ووفق لوحة القيادة المتعلقة بالقروض والودائع البنكية الصادرة عن بنك المغرب، فقد ارتفعت ودائع الأسر بنسبة 8,1 في المائة لتصل إلى 1003,8 مليار درهم، وهو ما يمثل الجزء الأكبر من إجمالي الودائع المسجلة لدى البنوك.
وتؤكد هذه الأرقام الدور المهم الذي تلعبه تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج في دعم السيولة البنكية وتعزيز احتياطات الأسر المغربية، إذ بلغت ودائع هذه الفئة حوالي 228 مليار درهم، ما يعكس استمرار ارتباط الجالية المغربية بالنظام البنكي الوطني ومساهمتها في دعم الاقتصاد الوطني عبر التحويلات المالية المنتظمة.
في المقابل، سجلت ودائع المقاولات غير المالية الخاصة ارتفاعا سنويا بنسبة 11,4 في المائة لتستقر عند 257,7 مليار درهم، في إشارة إلى تحسن نسبي في وضعية خزائن عدد من المقاولات، خاصة تلك التي استفادت من انتعاش بعض الأنشطة الاقتصادية خلال الأشهر الأخيرة. ويرى متابعون أن هذا الارتفاع يعكس كذلك حذرا لدى الفاعلين الاقتصاديين، الذين يفضلون الاحتفاظ بجزء من السيولة داخل الحسابات البنكية في انتظار اتضاح الرؤية الاقتصادية بشكل أكبر خلال الفترة المقبلة.
ويأتي هذا النمو في الودائع البنكية في وقت يسعى فيه القطاع البنكي إلى تعزيز قدرته على تمويل الاقتصاد الوطني، عبر توفير السيولة الضرورية لتمويل المشاريع والاستثمارات والقروض الموجهة للأسر والمقاولات. كما يعكس استمرار جاذبية المؤسسات البنكية كفضاء آمن للادخار، رغم التغيرات التي تعرفها معدلات الفائدة وشروط العائد على الودائع.
وفي ما يتعلق بأسعار الفائدة المطبقة على الودائع، أوضح بنك المغرب أن معدل العائد على الودائع لأجل ستة أشهر سجل ارتفاعا طفيفا خلال شهر مارس الماضي، بواقع أربع نقاط أساس، ليستقر عند 2,21 في المائة. ويعني ذلك أن البنوك واصلت تحسين العائد على هذا النوع من الودائع بهدف استقطاب مزيد من السيولة قصيرة ومتوسطة الأجل.
في المقابل، عرف معدل العائد على الودائع لأجل 12 شهرا تراجعا بواقع 12 نقطة أساس ليستقر عند 2,73 في المائة، ما يعكس توجها مختلفا لدى البنوك في ما يتعلق بتدبير تكلفة الموارد المالية طويلة الأجل. ويرى محللون أن هذا التراجع قد يرتبط بتوقعات المؤسسات البنكية بشأن منحى أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة، إضافة إلى سعيها إلى التحكم في كلفة تعبئة الودائع.
أما بخصوص حسابات التوفير، فقد حدد بنك المغرب الحد الأدنى لمعدل العائد خلال النصف الأول من سنة 2026 في 1,61 في المائة، مسجلا انخفاضا قدره 30 نقطة أساس مقارنة بالنصف السابق. ويأتي هذا القرار في سياق التغيرات التي تعرفها السوق النقدية وتطور معدلات الفائدة المرجعية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على العائدات المقدمة لأصحاب حسابات التوفير.
ورغم هذا الانخفاض، لا تزال حسابات التوفير تحافظ على جاذبيتها بالنسبة لفئات واسعة من المواطنين، خاصة الأسر التي تبحث عن وسائل آمنة للحفاظ على مدخراتها بعيدا عن مخاطر الاستثمار. كما تستفيد هذه الحسابات من سهولة الولوج إليها ومرونة استعمالها، ما يجعلها من أكثر المنتجات البنكية انتشارا في السوق المغربية.
ويرى خبراء اقتصاديون أن استمرار ارتفاع الودائع البنكية يشكل مؤشرا إيجابيا بالنسبة للاقتصاد الوطني، لأنه يعزز قدرة البنوك على تمويل المشاريع الإنتاجية وتوسيع نشاط الإقراض، غير أنهم يؤكدون في المقابل أن التحدي الحقيقي يبقى مرتبطا بمدى تحويل هذه السيولة إلى استثمارات حقيقية قادرة على خلق فرص الشغل وتحريك عجلة النمو الاقتصادي.
كما يبرز تطور الودائع أهمية الثقة التي ما يزال يحظى بها القطاع البنكي المغربي، سواء لدى الأسر أو المقاولات، في ظل التغيرات الاقتصادية والمالية الدولية. ويعتبر هذا المعطى أساسيا للحفاظ على استقرار المنظومة المالية وضمان استمرار تمويل الاقتصاد الوطني في ظروف ملائمة، خاصة في مرحلة تتسم بتقلبات الأسواق وارتفاع متطلبات التمويل.