“الميركاتو الانتخابي”

0

بقلم ذ.محمد العبدوني خياري.

لا شك أن ظاهرة الترحال السياسي في المغرب باتت من أبرز خصائص المشهد الإنتخابي، خاصة في الفترة التي تسبق الإستحقاقات التشريعية والجهوية والجماعية. فهي ليست مجرد حركات إنتقالية عابرة بين الأحزاب، بل صارت تعبيرا مكثفا عن أزمة بنيوية. اليوم، ونحن على أعتاب الإنتخابات التشريعية، أصبحت الساحة السياسية تشبه، في كثير من جوانبها، سوقا للإنتقالات والتبادلات “الميركاتو الانتخابي”، يستقطب فيها من يملك «الجاهزية الإنتخابية» و«الوزن الإجتماعي»، بينما تهمل البرامج والمشاريع والرؤى الكبرى.
السياسة، في معناها النبيل، هي مشروع ، وبرنامج، ومرجعية فكرية أو إيديولوجية. أما حين يتحول الترحال إلى مادة للتفاوض على المقاعد والمواقع، فإنه ينزلق ليصبح فيها الحزب مجرد ركح أو منصة ظرفية، والبرنامج مجرد اضافة لتزيين السيرة الذاتية. من يتابع المشهد السياسي، في الآونة الأخيرة، يدرك أن حركة الترحال انطلقت، بصيغة متدرجة، مع تحركات فردية أوجماعية. فالانتماء قائم على منطق الغنيمة، والانتهازية السياسية،ومنطق المصلحة، والامر يتعلق بالأحزاب الكبرى أكثر من الصغرى.
هذه الظاهرة برزت بشكل ملحوظ ومستفز وقتئد مع حزب الاتحاد الديموقراطي. بعد تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة، لوحظ وجود ترحال سياسي كبير في اتجاهه، وتجلى بقوة في الانتخابات سنوات 2002 و2007 و2011، وكانت من أجل المصلحة والتقرب من بعض الوجوه المهمة أو بوازع الغضب والبحث عن ديموقراطية حزبية مفقودة. لكن بعد دستور 2011، خاصة مع الفصل 61، لاحظنا تراجعا نسبيا. حيث ينص الفصل 61 من الدستور على أنه “يجرد من صفة عضو في أحد المجلسين، كل من تخلى عن انتمائه السياسي الذي ترشح باسمه للانتخابات، أو عن الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها”.
في سياق الانتخابات المقبلة، نعيش اليوم تسابقا محموما من أجل قيادة “حكومة المونديال”، بل حتى هذه التسمية، فيها مافيها، وكأن الدولة المغربية مبنية على مونديال 2030 وليس على برنامج اجتماعي واقتصادي وسياسي، فقط برنامج كروي نبني عليه دولة المؤسسات. ترحال انتخابي بقواعد متكررة، إذ رغم تبني نظام الاقتراع باللائحة، ما زالت تحكمنا عقليات مرتبطة بالاقتراع الفردي. فالناس”ما زالوا يصوتون على الشخص، سواء أكان من الأعيان أو الفاعلين المحليين، أو “معلمين شكارة”، وليس على البرنامج أو الحزب. فالمنتخب حين يغير حزبه السياسي، فإنه يجر وراءه قاعدته الانتخابية.
وإذا كانت معظم حالات الترحال السياسي ترتبط بالسعي نحو المناصب، فهناك بعض حالات الترحال لا تحركها فقط شهية المواقع، بل تعكس في بعض الأحيان ضيق الأفق داخل الأحزاب، حيث تعاني بعض التنظيمات من هيمنة دوائر ضيقة على أذرع الحزب، مما يدفع عددا من الأطر إلى مغادرة مركبة لم تعد تتسع لآرائهم أو طموحاتهم. وغالبا ما تتسارع هذه الإنتقالات في الأشهر التي تسبق الإنتخابات، وهنا يظهر الترحال كعلامة على ضعف تأطير النخبة من الداخل، وإنفتاحها على إستقطاب «العناصر الجاهزة» بدلا من بناء الكفاءات الحقيقية داخلها. كثير من الرحل لا يغيرون خطابهم ولا برنامجهم، فينتقلون من اليسار إلى الوسط، أو من الوسط إلى اليمين، أو من حزب تاريخي إلى حزب صغير، أو من الأغلبية إلى المعارضة، بل هذه المرة لاحظنا ترحالأو هجرة من الأماكن والدوائر السابقة والمدن والجهات أيضا، من دون أن نلمس تحولا حقيقيا في قناعاتهم، أو في مواقفهم، أو إنجازاتهم. هنا يتضح أن الالتزام بالمرجعية كان ضعيفا منذ البداية، بل هناك بعض المسؤولين الحزبيين الذين يشجعون على الترحال السياسي بتمويل لوائح موازية بحثا عن تكثلات بعدية.

فعوض أن تنتج الأحزاب مناضلين ومثقفين سياسيين، تكتفي، في كثير من الأحيان، بإستقطاب «الوجوه الجاهزة»، أتذكر انه في وقت ما كانت حملات الدعاية تتم بفضل المناضلات والمناضلين الذين يجدون رغبة في دعم حزبهم او مرشحيهم لقناعتهم بالمشروع، أما الآن فكل شيئ مؤدى عنه، من الصغير للكبير. حيث يربط كثير من الرحل موقعهم السياسي بمصالحهم الإقتصادية، فينتقلون إلى الحزب الذي يضمن لهم الحماية أو الوصول إلى عقود أو مشاريع، أو تدفق الموارد. فيوزع المقعد وفق روابط القرب الأسري أو القبلي أو المالي، لا وفق الأهلية أو الكفاءة. ومع اختيار الناخب «الشخص» لا البرنامج، يسهل على هذا الشخص أن ينتقل بين الأحزاب من دون أن تتأثر، بالضرورة، حظوظه في النجاح.
هذه الظاهرة تسهم في تسريع أزمة الثقة بين المجتمع والأحزاب. لأن ذلك يرسخ فكرة أن السياسة مجال نفعي، وأن الإنتماء مجرد قناع. وهكذا ينفك الربط بين الحزب والمشروع، ولا يبقى إلا الربط بين السياسي والكرسي . وهذا ما يفسر تصاعد العزوف الإنتخابي، ونموالإعتقاد بأن جميع الأحزاب متشابهة، وأن الجميع يبحث عن موقعه فقط. اضافة أن الترحال يزيد من تدهور صورة السياسة في أعين الجيل الجديد، خاصة في ظل حضور وسائل التواصل الإجتماعي، حيث ترصد كل الانتقالات، وتحلل بسرعة، وتتداول بكثير من السخرية.
السؤال الأكثر إلحاحا على قادة الأحزاب السياسية هو ما مدى مصداقية التزكيات الانتخابية التي تمنح للبعض دون غيرهم من أجل تحمل مسؤولية تدبير الشأن العام؟ فالتزكية يفترض أن تكون بمثابة شهادة “حسن السيرة والسلوك”، تمنح بشكل ديمقراطي، للمناضلين ذوي الكفاءة الذين تراهم الأحق بتمثيل الحزب والقادرين على القيام بواجبهم الدستوري في الارتقاء بأوضاع البلاد والعباد عن جدارة واستحقاق، فضلا عن التحلي بروح المواطنة الصادقة، والقيم النبيلة مثل الصدق والأمانة والنزاهة .
لكن صرنا نعيش عكس هذا، فإلى أين نسير؟ وإلى متى نستمر في هذا العبث؟ وماهي عواقب كل هذا على الديموقراطية الوطنية والمصداقية الحزبية؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.