إحالة قانون مهنة العدول إلى المحكمة الدستورية

0

 

تنفّس عدول المغرب الصعداء عقب إعلان مكونات المعارضة بمجلس النواب إحالة مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة التوثيق العدلي على المحكمة الدستورية، وذلك للبت في مدى مطابقته لمقتضيات الدستور، طبقاً لأحكام الفصل 132. وتُعد هذه الخطوة، وفق الفاعلين المهنيين، محطة مفصلية في مسار قانوني أثار منذ بدايته جدلاً واسعاً داخل الأوساط المهنية والحقوقية، بسبب ما اعتُبر اختلالات تمس مبدأي المساواة وتكافؤ الفرص داخل منظومة التوثيق.

وترى النقابة الوطنية لعدول المغرب (UGTM) أن هذا التطور يعكس عودة قوية لمنطق الرقابة الدستورية على التشريع، باعتباره أحد أهم ضمانات دولة الحق والقانون. واعتبرت النقابة أن اللجوء إلى المحكمة الدستورية لا يندرج فقط في إطار الصراع حول نص قانوني، بل يمثل، بحسب تعبيرها، آلية مؤسساتية لحماية الأمن القانوني والتوثيقي، وصون حقوق المواطنات والمواطنين الذين يظلون، في نظرها، الحلقة الأضعف داخل المعاملات التعاقدية.

في بيان لها، أوضحت النقابة أن القانون رقم 16.22 تضمّن مقتضيات أثارت، منذ طرحها للنقاش، انتقادات واسعة واحتجاجات متواصلة من طرف الجسم المهني. وترى النقابة أن بعض هذه المقتضيات تكرّس تمييزاً غير مبرر بين مكونات منظومة التوثيق، كما تُحدث، حسب رأيها، تضييقاً على ممارسي مهنة العدول في ممارسة مهامهم بشكل متكافئ مع باقي الفاعلين.

ومن بين النقاط التي أثارت جدلاً واسعاً، حرمان المهنة من آليات قانونية وعملياتية وُصفت بالأساسية، وعلى رأسها آلية الإيداع، التي تعتبرها النقابة ركيزة لضمان فعالية التوثيق واستقراره. كما أشارت إلى أن بعض المقتضيات الجديدة قد تؤدي إلى تكريس نوع من الاحتكار لفائدة جهة توثيقية على حساب أخرى، وهو ما تعتبره تناقضاً مع المبادئ الدستورية التي تنص على المساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين والفاعلين المهنيين.

في السياق ذاته، اعتبر إدريس العلمي، الكاتب الوطني للنقابة الوطنية لعدول المغرب، أن القانون مرّ داخل المؤسسة التشريعية بوتيرة سريعة، وهو ما أثار، بحسبه، تساؤلات لدى عدد من النواب والفاعلين. وأوضح أن الجسم المهني كان يطالب منذ البداية باعتماد مقاربة تشاركية أوسع، تسمح بإشراك مختلف المتدخلين، إلى جانب الاستئناس بآراء المؤسسات الدستورية المختصة، قبل الحسم في أي تعديل يمس بنية المهنة.

وأضاف العلمي أن إحالة القانون على المحكمة الدستورية تمثل بالنسبة إلى العدول “لحظة مفصلية”، معتبراً أن غالبية المهنيين متأكدون من وجود مقتضيات لا تنسجم، في نظرهم، مع روح الدستور، خصوصاً تلك المرتبطة بالمنافسة وتكافؤ الفرص. وأبدى تفاؤله بأن تعيد المحكمة النظر في هذه الجوانب بما يضمن إنصاف المهنة، ويأخذ بعين الاعتبار خصوصيتها التاريخية والقانونية داخل المنظومة التوثيقية بالمغرب.

من جهته، اعتبر إدريس الطرالي، رئيس المجلس الجهوي للعدول بدائرة محكمة الاستئناف ببني ملال–خنيفرة، أن إحالة النص على المحكمة الدستورية جاءت نتيجة تواصل بين المعارضة البرلمانية والجسم المهني، بعد المصادقة على القانون. وأكد أن هذه الخطوة تمثل، من وجهة نظره، المسار الوحيد الكفيل بفتح نقاش دستوري معمّق حول النص، وتصحيح ما يعتبره المهنيون اختلالات تمس روح الإصلاح الحقيقي.

وأشار الطرالي إلى أن القانون، في صيغته الحالية، لم يستجب للمطالب الجوهرية التي عبر عنها العدول خلال مراحل النقاش، بل اكتفى، حسب تعبيره، بإدخال تعديلات محدودة لم تمس جوهر الإشكالات المطروحة. وفي مقدمة هذه الإشكالات مسألة آليات العمل والتدبير المهني، وعلى رأسها مطلب الاستفادة من آلية الإيداع لدى صندوق الإيداع والتدبير، التي يعتبرها العدول رافعة أساسية لتحديث المهنة وتعزيز الأمن التوثيقي.

واعتبر المتحدث ذاته أن أي إصلاح تشريعي حقيقي لا بد أن يستند إلى مرجعية دستورية واضحة، وأن يضمن التوازن بين مختلف الفاعلين داخل منظومة التوثيق، بعيداً عن منطق التمييز أو الاحتكار. وهو ما يجعل قرار المحكمة الدستورية، في نظره، محطة حاسمة قد تعيد رسم ملامح الإصلاح المرتقب للمهنة، وتفتح الباب أمام مراجعة شاملة تأخذ بعين الاعتبار تطلعات المهنيين ومتطلبات العدالة التعاقدية في المغرب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.