مهرجان “مقامات” في دورته الـ 16: سلا تستحضر عبق التاريخ وتصنع من فضاءاتها التراثية منارات للتنمية الثقافية
في غمرة الاحتفاء بالذاكرة الثقافية الوطنية، وفي مشهد يتكامل فيه سحر المكان بجمالية الإبداع الإنساني، تنظم جمعية أبي رقراق – بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل (قطاع الثقافة) وعمالة سلا (المبادرة الوطنية للتنمية البشرية) – المرحلة الثانية من الدورة السادسة عشرة لمهرجان “مقامات”، وذلك في الفترة الممتدة ما بين الجمعة 05 والأربعاء 10 يونيو 2026.
وتأتي هذه الدورة في سياق احتفالي يخلد الذكرى الأربعين لتأسيس جمعية أبي رقراق، كأحد صروح المجتمع المدني الفاعل والمؤثر في نماء مدينة سلا وفي مسار التنمية الوطنية. كما تتزامن مع ذكرى مرور قرن كامل على تأسيس أول جمعية تخصصت في الأنشطة الفكرية الأدبية والمسرحية بالمدينة وهي “جمعية النادي الأدبي السلاوي”.
وترفع الدورة الـ 16 شعاراً ذا أبعاد استراتيجية عميقة: “تراث سلا: من الصيانة والتأهيل إلى الوظيفة التنموية”؛ لتنزيل هذه الرؤية عبر فرجات وأنشطة زاخرة تمزج بين الجانب الفكري التاريخي والأداء الفني المبتكر.
ريادة تاريخية في استثمار الفضاءات التراثية
لم يكن مهرجان “مقامات” إلا حلقة في سلسلة طويلة من المبادرات؛ فذاكرة توظيف الفضاءات التراثية من طرف جمعية “أبي رقراق” تعود لنحو ربع قرن. لقد كانت الجمعية سباقة، قبل خمسة وعشرين عامًا، إلى نفض الغبار عن المعالم العتيقة لمدينة سلا، محولة إياها إلى ركائز للتنمية المستدامة وجسور حية تربط التراث المادي بنظيره اللامادي بعد سنوات طويلة من الركود والنسيان.
وتقف المعالم المرجعية للمدينة اليوم كشاهد إثبات على هذه الريادة التاريخية؛ من “باب المريسة”، و”حديقة الفردوس”، و”زاوية النساك”، و”البرج الكبير”، وصولاً إلى ساحات ضريح “سيدي عبد الله بن حسون”، و”سوق الغزل”، و”باب احساين”، مرورًا برواق “باب فاس”، وبرج “باب سبتة”، وباب “دار الصناعة البحرية”. ولم يقتصر هذا النفس الإحيائي على الفضاءات المفتوحة والمآثر العامة، بل امتد ليشمل الدور والرياضات العتيقة التي تحولت إلى حواضن ثقافية نابضة، مثل “دار الحاج علي عواد”، و”رياض الزواوي”، و”دار بلقاضي”.
وفي سياق الحديث عن عمق الرؤية التراثية للجمعية، تجدر الإشارة إلى الدور الاستثنائي الكبير الذي لعبته في إنقاذ بناية “البيمارستان المريني” التاريخية (التي عُرفت سابقًا بالمحكمة الشرعية)؛ إذ نجحت الجمعية من خلال مرافعاتها ومواكباتها الدؤوبة للدفع في اتجاه رد الاعتبار لهذا الصرح المعماري الفريد وتغيير وظيفته بذكاء، ليتحول من جدران يهددها الإهمال إلى “متحف للآلات الموسيقية”، يفوح بنغمات التاريخ الأصيل. وبفضل هذه المبادرات المقترنة بالعمل على الأرض، لم تعد أمكنة سلا مجرد أحجار صامتة، بل غدت مسارح مفتوحة ومنارات فكرية تضج بالحياة الفنية، وتصنع فضاءً يوميًا تلتقي فيه الساكنة بالثقافة والإبداع.
البرنامج التفصيلي الفني والفكري ودلالاته الإبداعية
تتميز المرحلة الثانية من هذه الدورة بتنوع غني، يشارك فيه ما يفوق 400 من المثقفين، المفكرين، الفنانين، والتقنيين من سلا وخارجها، وتتوزع فعالياتها على الشكل التالي:
1ــ تشكيل يسير على درب التمكين وإحياء التطريز التقليدي:
معرض تشكيلي يسير في درب التمكين، حيث تعرض خلاله “رقية الزهر” (نزيلة المركز الاجتماعي للأشخاص المسنين – سلا المدينة – “بورمادا”)، أعمالها من الجمعة 05 إلى الثلاثاء 09 يونيو 2026، وذلك بساحة رواق باب فاس، وهو من تنشيط الفاعل الجمعوي حسن بطاح. ويحمل هذا المعرض بعداً إنسانياً وتضامنياً عميقاً؛ إذ يحتفي بإبداعات فئة غالية من المجتمع (المسنين)، مبرزاً قدرة الفن على إدماج كافة الفئات وتثمين التطريز التقليدي السلاوي واللوحات الزيتية كجزء لا يتجزأ من التراث الإنساني النابض بالحياة.
ويوازيه معرض تشكيلي فريد يحتفي بالتطريز تحت شعار “عندما تصنع الأنامل من ظلال الأمس حكاية”، ويستمر من السبت 06 إلى الثلاثاء 09 يونيو 2026 (ابتداءً من الساعة السادسة مساءً)، يحتضنه برج باب سبتة، من تأطير إلهام بنعمي وبتنسيق مع جمعية إبداع للتنمية وإحياء التراث اللامادي، وينطق بعبقرية الصانعة السلاوية، محولاً غرزات التطريز التقليدي السلاوي إلى لوحات تشكيلية بصرية تصون الذاكرة والوظيفة التنموية للحرف.
2ــ تقديم وتوقيع الإصدارات.. قراءات في الهوية والتاريخ والذاكرة:
يحتضن رواق باب فاس ابتداءً من الساعة السادسة مساءً سلسلة من الأمسيات الفكرية الراقية التي تبحث في جذور الهوية.
ففي يوم الجمعة 05 يونيو 2026، سيتم تقديم وتوقيع كتاب “سلا بعيون أجنبية” للأستاذ الباحث محمد الصديق معنينو، مع تدشين جناحه في خزانة رواق باب فاس، فيما سيتكلف بالتنشيط الأستاذ الباحث والفنان عبد المجيد فنيش، واللقاء عبارة عن قراءة في صورة المدينة لدى الآخر، وترسيخ للبحث البيبليوغرافي والتاريخي السلاوي.
ويوم السبت 06 يونيو 2026 تشهد أمسية الإصدارات المسرحية تقديم مسرحية “في حضرة الشيخ القوقل” للكاتب والمخرج المسرح المسرحي كريم الفحل الشرقاوي، وتقديم مسرحية “بهجة البهوج” للكاتب المسرحي والسيناريست عبد الإله بنهدار، وأيضاً تقديم كتاب “مقاربات في مشهدية العرض المسرحي” للكاتب أسامة السروت المكلّبي.
هذا اللقاء الذي تشرف على تنشيطه الفنانة إلهام بوطازوت، هو احتفاء بأب الفنون وتوثيق للحركة النقدية والإبداعية المسرحية، بالتزامن مع مئوية العمل المسرحي بسلا.
أما يوم الأحد 07 يونيو 2026 فيخصص لأمسية إصدارات التاريخ والذاكرة، وسيتم خلالها تقديم كتاب “محمد الأممي – سيرة إعلامي من الأعلام” للكاتب أسامة الشرفي الكتاني، وأيضاً تقديم كتاب “إضاءات تاريخية حول سلا من التأسيس إلى الوقت الراهن” للباحث محمد السعديين، ثم تقديم كتاب “أساور عائشة” للشاعر مراد القادري (رئيس بيت الشعر في المغرب)، واللقاء من تنشيط محمد فؤاد قنديل، وتدخل هذه الفعالية في إطار توثيق ذاكرة الأعلام والأمكنة، واستنطاق التاريخ المحلي والوطني لربطه بالحاضر.
وتتواصل الأمسيات يوم الاثنين 08 يونيو 2026 بأمسية شاعرات سلاويات، وخلالها سيتم تقديم ديوان “FRAGMENTS DE VIE” للأستاذة عائشة بلعربي، ثم تقديم ديوان “حين يهمس القلم” للأستاذة لمياء نعيمة الجمل، وأيضاً تقديم ديوان “الراكض في الحلم” للشاعرة إيمان الونطدي، واللقاء من تنشيط كل من الشاعرة زهراء الزريق، والناقدة فدوى البابلي، ويرتكز هذا النشاط على إبراز الصوت الإبداعي النسائي السلاوي، وتأكيد المساهمة القيمة للمرأة في صياغة المشهد الشعري والأدبي المعاصر.
3ــ الورشات التكوينية: استدامة التراث عبر الأجيال: وتبدأ هذه الفعالية بورشة “التكوين الموسيقي والغنائي في الأداء الصوتي”، وذلك يومي السبت 06 والأحد 07 يونيو 2026 (على الساعة 10:30 صباحاً)، ويحتضنها الفضاء السوسيوتربوي لجمعية أبي رقراق (رواق باب فاس)، ويؤطرها الفنان التهامي بلحوات. وتعكس هذه الورشة التزام المهرجان ببنود شعاره؛ فنقل المعرفة الموسيقية التراثية الاحترافية والتقنيات الصوتية إلى الشباب يضمن صون هذا التراث واستمراريته كقيمة لا مادية قادرة على خلق وظائف تنموية وثقافية مستدامة.
الندوات الفكرية والعلمية
أولى الندوات يخصصها مهرجان مقامات للأغنية المغربية في وسائل الإعلام، من إعداد جمعية ظلال الرقراق للثقافة والفن والمجتمع، ويشارك فيها الأستاذ الجامعي المختص في الأدب والفنون حسن البحراوي، الإعلامي المختص في الموسيقى الحسين العمراني، الإذاعية المختصة في الثقافة والفنون خديجة شفيق الناصري، الصحافي مدير جريدة الرباط نيوز حفيظ بنكميل، والصحافي الشاعر محمد الصفلي. وتنسق وتنشط الندوة الشاعرة فاطمة المنصوري، بمشاركة فنية رمزية للمبدعين: الأستاذ عزيز حسني والأستاذ محمد الأشرافي.
الندوة التي يحتضنها رواق باب فاس، الثلاثاء 09 يونيو 2026 الساعة السادسة مساءً، تتوخى تشريح المسار التاريخي والإعلامي للمنجز الموسيقي واللحني الوطني، والوقوف عند تحدياته المعاصرة وآفاق إشعاعه عبر وسائط الاتصال الحديثة.
الأماسي الفنية والفرجات الموسيقية التراثية
يستهل مقامات هذه الفعاليات بليلة الفن العيساوي تحييها مجموعة المقدم ولد العريف، وقبل ذلك عرض شريط وثائقي يلخص محطات وجماليات المرحلة الأولى لمهرجان مقامات (المنظمة من 30 أبريل إلى 17 ماي 2026)، ويقوم بتنشيط الأمسية الفنان حسن الجندي، وسيكون باب دار الصناعة البحرية مسرحاً لهذا اللقاء، وذلك يوم الجمعة 05 يونيو 2026 في تمام الساعة الثامنة مساءً. وتكمن أهمية هذه الأمسية في استحضار النفحات الروحية والأنماط الإيقاعية التراثية السلاوية العريقة، وضخ الحياة الفنية في حصن أثري بحري شامخ كان شاهداً على التاريخ الجهادي والدبلوماسي للمدينة.
وحفل آخر سيكون جمهور مقامات على موعد معه، ويتمثل أولاً في توزيع شهادات المشاركة في أنشطة “أيام تراث سلا”، تليه “أمسية روائع رواد الأغنية المغربية” تشدو بها فرقة صونار للموسيقى العربية مع الحنجرة الطربية للفنان يحيى صابر، بتنشيط الفنانين محمد متوكل وفيصل الشكدالي؛ هذا الحفل الذي ستعيش ساحة سوق الغزل على إيقاعه يوم السبت 06 يونيو 2026 على الساعة السادسة مساءً، يرتكز على إعادة الاعتبار للساحات العمومية التاريخية كفضاءات للفرجة الشعبية المفتوحة، وربط خلف الساكنة بسلف الطرب المغربي الأصيل ونبض زمنه الجميل.
ويلتقي عشاق الروحانيات مع “أمسية صوفية للحضرة النسوية السلاوية” تحييها فتيات مدرسة لالة الهاشمية العلوية للحضرة النسوية، بتنشيط الأستاذ رشيد العلوي المحمدي، وذلك بفضاء برج باب سبتة، يوم السبت 06 يونيو 2026 الساعة السادسة مساءً، ويعمل على إبراز الخصوصية الروحية لمدينة سلا، والاحتفاء بالصوت والطقس الصوفيين بصيغتهما النسوية السلاوية، مما يضمن تواترهما وحمايتهما من الاندثار بين الأجيال الشابة.
اما الوصول إلى “أمسية في طرب الملحون” فهو مثل الوصول إلى جنة السلاويين الفنية، وسيشارك في هذه الأمسية المنشد السلاوي توفيق عبد الخالق، وعزف نخبة سلا بقيادة الفيولونيست “الناصري الشرقاوي”، وبتنسيق واستضافة ضيفة الشرف منشدة الملحون المتألقة “شيماء الرداف”، وتنشيط الفنان محمد متوكل، ويحتضنها برج باب سبتة، الأحد 07 يونيو 2026 على الساعة السادسة مساءً، ويحتفي من خلالها مقامات بديوان المغاربة وسجل تاريخهم الاجتماعي والجمالي (الملحون) في فضاء البرج التاريخي، تأكيداً على التمازج المطلق بين أصالة المعمار وجلال الكلمة المنظومة ولطافة النغمة.
أما ليلة الكشكول المغربي المتنوع بباب أحساين، فهي عبارة عن لوحات موسييقية غنية من تقديم جمعية الكشف المنير عبر مجموعة “نسيم الروح” برئاسة الفنان صلاح الدين فتوفة، وتنشيط الفنان فيصل الشكدالي، وموعدها يوم الأحد 07 يونيو 2026 في تمام الساعة الثامنة مساءً، وتدخل في إطار تفعيل الحركية الثقافية داخل الأحياء التاريخية من خلال الفنون الحية، وتقديم فرجة قريبة من الساكنة والشباب تختزل تنوع الإيقاعات والمدارس اللحنية المغربية.
4ــ الحفل الختامي الكبير كما عودنا مهرجان مقامات سيكون باذخاً، وتحتضنه القاعة الكبرى لجماعة سلا (باب سيدي بوحاجة)، وذلك يوم الأربعاء 10 يونيو 2026 على الساعة السابعة مساءً، ويشتمل على حصة أولى (ليلة الوفاء) وهي حفل بروتوكولي رسمي يتضمن تسليم درع وشهادة التكريم الرمزي لنخبة من أعضاء ورجالات جمعية أبي رقراق بمناسبة ذكرى تأسيسها الأربعين.
الحصة الثانية (أندلسيات النحاس): احتفالية الموسيقى الأندلسية بالآلات النحاسية في موضوع: “سلا منارة المدن البهية” بالتنسيق والإنشاد للنجم الفنان عبد السلام السفياني، وإدارة المجموعة الموسيقية للفنان عدنان السفياني، ونظم أشعار الفنان الشاعر إدريس كديرة.
الليلة ينشطها كل من الإعلامي الإذاعي محمد نجيب والإعلامية الإذاعية جيهان مينة. وتأتي في سياق تتويج المهرجان برنامجه بلمسة وفاء وعرفان تكرم الرأسمال البشري للجمعية، تليها فرجة موسيقية أندلسية مبتكرة توظف الآلات النحاسية؛ لتؤكد عملياً وبأداء احترافي قدرة التراث على التجدد والابتكار، مكرسةً مدينة سلا كمنارة للإشعاع الفني والتنمية المستدامة.
أربعون سنة في درب المجتمع المدني
في كلمة بليغة للمناسبة، أكد نور الدين اشماعو، رئيس جمعية أبي رقراق والرئيس المؤسس لمهرجان مقامات: “إننا إذ نخلد الذكرى الأربعين لتأسيس الجمعية، فإننا نفعل ذلك من أجل التأمل في الذات والبحث عن مواطن الإخفاق والنقد الذاتي، أكثر من التباهي بمحطات النجاح”. وأشار إلى أن أربعين سنة مرت كقوة مدنية مستقلة ومتنوعة المكونات، انصهرت فيها الكفاءات من مختلف الأجيال، ليظل الرهان الأول هو التنزيل الميداني الفاعل لمفاهيم الترافع والتشارك.
وقد وجه رئيس الجمعية عبارات الشكر والعرفان للمؤسسات العمومية، السلطات المحلية، والمجالس الترابية، وكذا الشركاء في القطاع الخاص، مؤكداً أن الرأسمال الحقيقي للجمعية يكمن في الروح النضالية النموذجية لأعضائها ومسيريها. وجدد التأكيد على أن الجمعية ستظل مخلصة لشغف الإسهام في نماء مدينة سلا، في ظل القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.
إن الدورة الـ 16 لمهرجان مقامات لربيع وصيف 2026 ليست مجرد تظاهرة عابرة، بل هي موعد متجدد يبرهن كيف يمكن للتاريخ أن يخدم التنمية، وكيف يمكن لمدينة سلا العريقة أن تظل منارة وارفة بالظلال الفكرية والإبداعية المتجددة.