أطباء العيون بالقطاع الخاص بالمغرب يدقون ناقوس الخطر: “الجلالة العشوائية” تهدد المواطنين وزراعة القرنية تعيش “سكتة قلبية”
في خطوة مهنية وصفت بال حاسمة، ومواكبة للإصلاحات الهيكلية التي تشهدها المنظومة الصحية بالمملكة المغربية، نظمت النقابة الوطنية لأطباء العيون بالقطاع الخاص بالمغرب لقاءً صحفياً بارزاً، يوم أول أمس الخميس 4 يونيو 2026 بالعاصمة الاقتصادية الدار البيضاء. وعُقد اللقاء بحضور وازن لممثلي مختلف المنابر الصحفية الوطنية المكتوبة، والإلكترونية، والسمعية البصرية، لتسليط الضوء على المعيقات البنيوية والإشكاليات الكبرى التي تحيط بممارسة طب العيون في المغرب، ولطرح حزمة من الإصلاحات المستعجلة الكفيلة بضمان جودة وسلامة الخدمات الطبية المقدمة للمواطنين.
وجددت النقابة، خلال هذا اللقاء، التزامها الثابت والمبدئي بالدفاع عن جودة خدمات طب العيون بالمملكة، بما يضمن توفير علاجات حديثة، أخلاقية، آمنة، ومتاحة لجميع الفئات الاجتماعية، داعيةً في الوقت ذاته إلى فتح قنوات حوار جاد وبنّاء مع مختلف المؤسسات والجهات الحكومية والوصية المعنية بالقطاع.
ويأتي هذا اللقاء الإعلامي امتداداً لمحطة تنموية هامة شهدتها مدينة بوزنيقة في 28 فبراير من السنة الجارية (2026)، حيث احتضن قصر المؤتمرات يوماً وطنياً للتشاور والتدارس تحت اسم (SNOLM DAY)، بمشاركة مكثفة من أطباء العيون، وممثلي الجمعيات العلمية والأكاديمية، والفاعلين المؤسساتيين، وهي المحطة التي توجت بصياغة “مذكرة وطنية توافقية” لخصت الأولويات والملفات الحارقة للقطاع.
عبرت النقابة عن قلقها المهني والطبي العميق إزاء تنامي بعض الحملات الجراحية العشوائية المخصصة لإزالة المياه البيضاء (الجلالة)، والتي تُجرى خارج معايير السلامة البيولوجية والجودة الطبية المطلوبة. وحذر الأطباء من أن هذه الحملات غير القانونية تعرّض المرضى لمخاطر صحية جسيمة، أبرزها انتقال العدوى المباشرة، وحدوث مضاعفات ما بعد الجراحة التي قد تعجز المسارات الطبية عن علاجها وتؤدي لفقدان البصر.
وإلى جانب الضرر البشري، نبهت النقابة إلى أن هذه الممارسات تؤدي إلى “تبخيس” قيمة عملية جراحية دقيقة وحيوية، فضلاً عما تسببه من استهلاك مفرط وغير معقلن لموارد الصندوق الوطني للتأمين الصحي الإجباري عن المرض (AMO)، وخلق منافسة غير شريفة مع المصحات والمؤسسات الطبية التي تحترم دفاتر التحملات والمعايير المعمول بها قانوناً. وعزت النقابة استفحال هذه الظاهرة كـ”نتيجة غير مباشرة” لاستمرار تجميد التعريفة الوطنية المرجعية، ما فرض ضغطاً اقتصادياً متزايداً على المريض والمؤسسات الصحية على حد سواء، مطالبة بضمان منافسة سليمة وعادلة تحمي أخلاقيات المهنة وجودة العلاج.
وصفت النقابة وضعية زراعة القرنية بالمغرب بالمتأزمة والتي ترقى إلى مستوى “حالة استعجالية وطنية تفرض التدخل العاجل”. وب لغة الأرقام الصادمة، كشف المتدخلون أن الحاجيات السنوية للمملكة تتراوح ما بين 6000 و8000 عملية زرع قرنية، في حين أن ما يتم إنجازه وتوفيره فعلياً على أرض الواقع لا يتعدى حاجز 500 إلى 600 عملية سنوياً فقط.
وعزا الأطباء هذا العجز البنيوي المخيف إلى ثلاثة إشكالات رئيسية: الاعتماد شبه الكلي على استيراد القرنيات من الخارج، وتمركز هذا النشاط الطبي في عدد محدود وضيق جداً من المؤسسات، مقابل تراجع مقلق ومستمر لدور المستشفيات والقطاع العمومي في هذا المجال. ولتجاوز هذا النفق المظلم، طالبت المذكرة الوطنية بفتح إمكانية استيراد الأنسجة الطبية لفائدة جميع المؤسسات المؤهلة قانوناً، والإسراع بإحداث بنوك وطنية للعيون، مع إطلاق حملات وطنية واسعة لتشجيع التبرع بالأعضاء والأنسجة بين المواطنين.
وفي الشق الدوائي، طالبت النقابة بضرورة الترخيص المؤقت والاستثنائي والمؤطر قانوناً لاستعمال بعض الأدوية المعتمدة دولياً والمستخدمة على نطاق واسع عالمياً لعلاج أمراض شبكية العين، نظراً لانخفاض تكلفتها المادية الكبيرة مقارنة بالأدوية الحاصلة حالياً على ترخيص التسويق الرسمي (AMM) في المغرب. وأكد المؤتمرون أن هذا الإجراء الاستثنائي من شأنه أن يساهم في علاج ومواكبة مئات الآلاف من المرضى ذوي الدخل المحدود وحماية صحتهم البصرية من التدهور.
من زاوية الوقاية الاستباقية، دعت الهيئة النقابية إلى إقرار “فحص بصري إلزامي” لجميع الأطفال المغاربة قبل التحاقهم الفعلي بالتعليم الابتدائي. ويهدف هذا المقترح ذو البعد الاجتماعي والصحي إلى ضمان صحة بصرية سليمة للناشئة، والكشف المبكر عن الأمراض والاضطرابات البصرية الصامتة (مثل كسل العين أو عيوب الانكسار) التي تؤثر بشكل مباشر وسلبي على مسار التعلّم، والتحصيل الدراسي، والنمو السليم للطفل.
شكل محور المراجعة المالية للتعريفة المرجعية أحد أكثر المحاور سخونة في اللقاء الصحفي؛ حيث شدد العارضون على أن التعريفة الوطنية المرجعية الحالية أصبحت “خارج السياق التاريخي والاقتصادي”، لكونها لم تشهد أي مراجعة أو تعديل منذ أكثر من عشرين سنة (بالضبط منذ عام 2006)، وذلك بالرغم من الوعود الحكومية السابقة والالتزامات القانونية التي تنص على مراجعتها وتعديلها دورياً كل ثلاث سنوات.
وأوضح أطباء القطاع الخاص أن تكاليف التجهيزات الطبية الحديثة، وأجهزة الليزر المتطورة، ومعدات التصوير والتشخيص الدقيق، والمواد الطبية الاستهلاكية، فضلاً عن أجور الموارد البشرية، قد شهدت جميعها ارتفاعات صاروخية مهولة طيلة العقدين الماضيين. ونبهت النقابة إلى أن استمرار هذا التجميد المالي غير المنطقي بات يهدد بشكل مباشر جودة الرعاية الطبية، ويدفع ببعض المؤسسات – تحت وطأة الضغط المالي – إلى تبني ممارسات طبية قد لا تنسجم مع المعايير الدولية الصارمة.
لم يفت النقابة التعبير عن قلقها البالغ من تنامي الممارسات الإعلامية والرقمية التي تكتسي طابع “الإشهار الطبي المقنّع” على منصات التواصل الاجتماعي. وانتقدت النقابة استفادة بعض المؤسسات والأطباء من حضور إعلامي متكرر وتفضيلي وموجّه، مما يخلق اختلالاً حاداً في تكافؤ الفرص بين المهنيين ويمس في الصميم بأخلاقيات الطب ونبل المهنة. ودعا التنظيم في هذا الصدد إلى ضبط وتقنين منظومة الإشهار الطبي الرقمي، وتشجيع حملات التوعية الصحية المسؤولة التي تخدم المواطن، مع تطبيق القواعد والأعراف الأخلاقية الصارمة بشكل عادل وصارم على جميع الفاعلين دون تمييز.
واختتمت النقابة الوطنية لأطباء العيون بالقطاع الخاص لقاءها الإعلامي بإطلاق “نداء وطني” تحت شعار: “جودة العلاج غير قابلة للتفاوض”، مؤكدة على أربع ركائز أساسية لإنجاح أي إصلاح صحي مرتقب:
إن صحة بصر المواطن المغربي يجب أن تظل دائماً أولوية وطنية قصوى لا تخضع للمزايدات.
التحذير من أن “الطب منخفض التكلفة” والبحث عن الحلول الرخيصة يهددان سلامة وحياة المرضى.
إن الابتكار الطبي ومواكبة التطور العالمي يتطلبان استثمارات مالية مهمة ومواكبة تشريعية مرنة.
ضرورة وضع سلامة المريض المغربي وكرامته الإنسانية في صلب وعمق كل إصلاح صحي تقوده الدولة.
وفي الختام، جددت النقابة التزامها الكامل بمواكبة الأوراش الطبية والملكية الكبرى بالمملكة، وحماية المرضى والمكتسبات، داعية وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، والهيئات التدبيرية للتأمين الصحي، والجمعيات العلمية، إلى الجلوس على طاولة “حوار وطني مسؤول” لبناء منظومة صحية قائمة على الجودة، والعدالة المجالية، والكرامة الإنسانية، تليق بطموحات ومستقبل مغرب الغد.