دراسة: 3 في المائة من المواطنين المؤهلين للتصويت خلال انتخابات 2021 قاطعوا الاقتراع بشكل إرادي
كشفت دراسة ميدانية وطنية حديثة عن استمرار أزمة الثقة بين المواطنين والفاعلين السياسيين، رغم تمسك شريحة واسعة من المغاربة بقيم المشاركة الديمقراطية وأهمية التصويت باعتباره واجباً مواطنياً.
الدراسة التي أنجزتها جمعية “المواطنون” وشملت 2992 مواطنة ومواطناً عبر مختلف جهات المملكة، أظهرت أن 41,3 في المائة من المواطنين المؤهلين للتصويت خلال انتخابات 2021 قاطعوا الاقتراع بشكل إرادي، في حين اعتبر 66,6 في المائة من المستجوبين أن التصويت واجب مهم أو مهم جداً.
هذه المفارقة بين الإيمان بأهمية المشاركة السياسية والعزوف عن التوجه إلى صناديق الاقتراع تعكس، بحسب الدراسة، أزمة ثقة عميقة لا ترتبط بمبدأ الديمقراطية نفسه، وإنما بأداء المؤسسات السياسية والأحزاب والمنتخبين.
وأبرزت النتائج أن أقل من 14 في المائة فقط من المشاركين يعتقدون أن نتائج الانتخابات الأخيرة كانت ذات مصداقية، بينما منح أكثر من نصف المستجوبين أدنى درجات التقييم لنزاهة ومصداقية العملية الانتخابية. كما سجلت المؤسسات العمومية بدورها مستويات متدنية من الثقة، ما يعكس اتساع الفجوة بين المواطن ومختلف المؤسسات التمثيلية.
أما الفجوة الثانية فهي ذات طابع جيلي، إذ أظهرت الدراسة أن الشباب دون الثلاثين عاماً هم الأكثر استعداداً للمشاركة في انتخابات 2026، رغم أنهم الأكثر انتقاداً للأحزاب السياسية والمؤسسات. وتكشف هذه النتيجة عن رغبة قوية لدى الشباب في التغيير والانخراط السياسي، لكنها تصطدم بحالة من عدم الرضا تجاه العرض السياسي الحالي.
في المقابل، سجلت الدراسة مفارقة ثالثة مرتبطة بالنوع الاجتماعي، بعدما تبين أن النساء أكثر استعداداً للمشاركة في الانتخابات المقبلة مقارنة بالرجال. غير أن نسبة مهمة منهن أكدت أنها واجهت عراقيل إدارية أو إجرائية حالت دون مشاركتها الفعلية في الاستحقاقات السابقة، وهو ما يطرح تساؤلات حول سبل تعزيز المشاركة النسائية وتسهيل ولوجها إلى العملية الانتخابية.
الأحزاب الغائب الأكبر وشبكات التواصل المصدر الأول للمعلومة السياسية
أحد أبرز الاستنتاجات التي خرجت بها الدراسة يتمثل في ضعف العلاقة بين المواطنين والأحزاب السياسية. فقد أكد نحو 80 في المائة من المستجوبين أنهم لا تربطهم أي علاقة أو تواصل بالأحزاب، بينما لم تتجاوز نسبة الذين يستفيدون من تواصل ميداني مباشر مع التنظيمات السياسية مستويات محدودة جداً.
كما اعتبر أكثر من 88 في المائة من المشاركين أن الأحزاب لا تنصت بالشكل الكافي لانشغالات المواطنين، في حين يرى أكثر من 90 في المائة أن المنتخبين لا يوفون بالوعود التي يقدمونها خلال الحملات الانتخابية. وهي مؤشرات تعكس حجم الأزمة التي تعيشها الوساطة السياسية التقليدية في المغرب.
وفي ظل هذا التراجع، برزت شبكات التواصل الاجتماعي باعتبارها المصدر الأول للمعلومات السياسية بالنسبة للمغاربة. فقد أكد 74 في المائة من المشاركين اعتمادهم على المنصات الرقمية لمتابعة الأخبار السياسية، متقدمة بفارق كبير على الصحافة الإلكترونية والمكتوبة والتلفزيون والإذاعة.
وتظهر نتائج الدراسة أن نوايا المشاركة في انتخابات 2026 لا تزال متذبذبة. فحوالي 42,3 في المائة من المستجوبين عبروا عن نية إيجابية للمشاركة، بينما أكد قرابة 39 في المائة أنهم لن يصوتوا أو يرجحون عدم المشاركة، في حين ظلت نسبة مهمة من المواطنين في دائرة التردد.
وترتبط أسباب العزوف أساساً بضعف الثقة في الأحزاب السياسية والاعتقاد بأن التصويت لا يغير الواقع. كما أشار عدد من المواطنين إلى غياب مرشحين قادرين على تمثيل تطلعاتهم، إضافة إلى عوامل أخرى مرتبطة بضعف المعرفة بالإجراءات الانتخابية أو عدم الاهتمام بالشأن السياسي.
ورغم هذه المؤشرات السلبية، ترى الدراسة أن هامش استعادة الثقة لا يزال قائماً. فقد حدد المواطنون مجموعة من الشروط التي يمكن أن تدفعهم للمشاركة، من بينها ضمان نزاهة الانتخابات، وتقديم برامج سياسية واضحة وقابلة للتنفيذ، وتعزيز حضور الشباب في المؤسسات المنتخبة، وتكريس الشفافية في تمويل الأحزاب، فضلاً عن توفير معلومات مبسطة حول العملية الانتخابية.
كما أظهرت النتائج أن التعليم والصحة والتشغيل تشكل الأولويات الأساسية التي ينتظر المواطنون من الأحزاب التركيز عليها خلال المرحلة المقبلة، متقدمة بفارق واضح على باقي القضايا السياسية.
وتخلص الدراسة إلى أن التحدي الأكبر الذي يواجه المغرب قبل انتخابات 2026 يتمثل في إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات السياسية. فالمشكل لا يكمن في رفض الديمقراطية أو العزوف عن الشأن العام، بل في الحاجة إلى إصلاح العلاقة بين الناخب والفاعل السياسي، وتقديم عرض سياسي قادر على إقناع المواطنين بأن أصواتهم يمكن أن تحدث فرقاً حقيقياً في تدبير الشأن العام وتحسين أوضاعهم المعيشية.