تقرير دولي: مغاربة “يرفضون” المساواة في سوق الشغل

0

أظهرت نتائج استطلاع حديث صادر عن مؤسسة “أفروبارومتر” استمرار تباين واضح في مواقف المواطنين المغاربة تجاه مسألة المساواة بين الجنسين داخل سوق العمل، خصوصا في ظل محدودية فرص التشغيل. ووفق المعطيات التي شملها الاستطلاع، فإن 51 في المائة من المغاربة يرون أن الرجال يجب أن تكون لهم أولوية في الحصول على فرص العمل عندما تكون نادرة، في مقابل 36 في المائة فقط يدعمون مبدأ المساواة الكاملة في الولوج إلى الشغل بين النساء والرجال.

وتعكس هذه الأرقام استمرار حضور تصورات تقليدية داخل جزء مهم من المجتمع، تربط بين أولوية التشغيل والجنس، خاصة في سياقات الأزمات الاقتصادية وارتفاع نسب البطالة. كما تشير النتائج إلى أن النقاش حول المساواة لا يزال غير محسوم اجتماعيا، رغم التحولات التي تعرفها البلاد على مستوى السياسات العمومية والخطاب الرسمي المرتبط بتمكين النساء.

في المقابل، يبرز الاستطلاع أن عددا من المواقف الاجتماعية الأخرى أكثر انفتاحا، سواء داخل المغرب أو على المستوى الإفريقي العام، ما يعكس حالة من التناقض بين القناعات المرتبطة بالحياة الخاصة وتلك المرتبطة بالمجال الاقتصادي. إذ يظهر أن النقاش حول دور المرأة في سوق العمل ما يزال مرتبطا بعوامل ثقافية واقتصادية متداخلة، من بينها طبيعة فرص الشغل المتاحة، ومستوى الحماية الاجتماعية، وكذا انتشار العمل غير المهيكل.

مؤشرات إفريقية تكشف فجوات مستمرة رغم الالتزامات الدولية

على المستوى الإفريقي، تقدم نتائج الاستطلاع صورة أكثر اتساعا حول وضعية المساواة بين الجنسين، حيث أفاد التقرير بأن حوالي 75 في المائة من المواطنين في 38 دولة إفريقية يدعمون استقلالية النساء في اتخاذ قرارات الزواج، فيما يؤيد 62 في المائة حق النساء في اتخاذ قرارات مرتبطة بالإنجاب. وتبرز هذه المعطيات وجود قبول اجتماعي واسع نسبيا لفكرة استقلالية المرأة داخل المجال الأسري والشخصي.

غير أن هذا الانفتاح لا ينعكس بنفس القوة داخل المجال الاقتصادي، إذ تشير البيانات إلى استمرار مجموعة من العوائق التي تحد من ولوج النساء إلى سوق الشغل بشكل متكافئ. ومن بين أبرز هذه العوائق، تفضيل أرباب العمل تشغيل الرجال، إلى جانب ضعف التكوين أو المهارات في بعض الحالات، إضافة إلى القيود الاجتماعية التي تفرضها بعض الأسر على عمل النساء.

كما يكشف التقرير أن حوالي ربع المستجوبين في القارة يرون أن الأسر أو الأزواج يضعون قيودا مباشرة أو غير مباشرة على عمل النساء، وهو ما يعمق الفجوة بين المساواة القانونية والمساواة الفعلية. وفي السياق ذاته، أفاد الاستطلاع بأن 28 في المائة من الأفارقة يعتقدون أن النساء يتعرضن لأشكال من التحرش في الفضاءات العامة، بما في ذلك وسائل النقل والأسواق والشوارع، وهو ما يشكل عاملا إضافيا يحد من اندماجهن الاقتصادي والاجتماعي.

ورغم هذه التحديات، فإن غالبية واسعة، تصل إلى حوالي 78 في المائة، تؤيد ضرورة أن تعمل المؤسسات الرسمية على تعزيز حماية النساء من العنف والتحرش والتمييز، بما يعكس رغبة مجتمعية في تحسين الإطار القانوني والمؤسساتي، حتى في ظل استمرار بعض التصورات التقليدية.

ويشير التقرير أيضا إلى أن قضية المساواة بين الجنسين أصبحت جزءا محوريا من أجندة التنمية في القارة الإفريقية، خاصة في إطار “أجندة 2063” للاتحاد الإفريقي وأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، التي تعتبر المساواة هدفا مركزيا يتقاطع مع مختلف مجالات التنمية.

لكن رغم هذا الإطار الدولي المتقدم، يؤكد التقرير وجود فجوة واضحة بين الالتزامات المعلنة والواقع الميداني، حيث تراجعت مؤشرات المساواة بين الجنسين في إفريقيا من 61 في المائة سنة 2019 إلى 58.2 في المائة سنة 2023، وهو تراجع يعكس تأثير الأزمات الاقتصادية والاجتماعية بشكل غير متكافئ على النساء.

كما يبرز أن النساء في إفريقيا أكثر عرضة للعمل في وظائف غير مستقرة وهشة، وبأجور أقل وظروف عمل أصعب، إضافة إلى محدودية الولوج إلى الموارد الأساسية مثل الأرض والتمويل والتجهيزات الإنتاجية، رغم الدور الحيوي الذي يقمن به في قطاعات حيوية، خصوصا الفلاحة والاقتصاد غير المهيكل.

وفي المحصلة، يعكس الاستطلاع وضعا مركبا يتسم بتقدم نسبي على مستوى الخطاب والالتزامات، مقابل استمرار تحديات عميقة على مستوى الممارسة اليومية، سواء في المغرب أو في عموم القارة الإفريقية، ما يجعل مسار تحقيق المساواة الفعلية رهينا بإصلاحات اقتصادية واجتماعية وثقافية متكاملة تتجاوز الإطار القانوني إلى تغيير البنيات الذهنية والاجتماعية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.