عودة الوعود الانتخابية والشعارات الطنانة
مجلة نادي الصحافة
عبد الرحيم عاشر
دخلت الأحزاب السياسية المغربية مرحلة جديدة من التنافس الانتخابي المبكر، عنوانها الأبرز العودة إلى لغة الوعود والبرامج السياسية في محاولة لاستعادة ثقة الناخبين، التي تعرضت خلال السنوات الأخيرة لاختبارات صعبة بفعل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وارتفاع منسوب الانتظارات الشعبية.
وتكشف التحركات الحزبية الجارية أن المشهد السياسي يتجه نحو معركة انتخابية محتدمة بين أحزاب الأغلبية والمعارضة، حيث يسعى كل طرف إلى تقديم نفسه باعتباره القادر على قيادة المرحلة المقبلة ومعالجة الإشكالات المتراكمة التي تواجه المواطنين، سواء في مجالات التعليم والصحة والتشغيل أو في ما يتعلق بالقدرة الشرائية وغلاء المعيشة.
وفي هذا السياق، عاد حزب التجمع الوطني للأحرار إلى تقديم سلسلة من الالتزامات والوعود الجديدة ضمن برنامجه الانتخابي، مركزا بشكل خاص على قطاعي التعليم والصحة باعتبارهما من أبرز الملفات التي تشغل الرأي العام. وأكد الحزب عزمه على مواصلة إصلاح منظومة التعليم عبر تعميم مدارس الريادة، وتوسيع خدمات النقل والإطعام المدرسيين، والرفع من عدد الجامعات ومؤسسات التعليم العالي، إلى جانب تطوير التكوين المهني وربط مخرجات التعليم بحاجيات سوق الشغل.
كما تعهد الحزب بمواصلة ورش إصلاح المنظومة الصحية من خلال تعميم المجموعات الصحية الترابية، وتوسيع البنيات الاستشفائية، وإحداث مستشفيات جامعية جديدة بمختلف جهات المملكة، فضلا عن تطوير خدمات الطب عن بعد ومراجعة أسعار الأدوية بهدف تخفيف الأعباء المالية عن المواطنين وتوسيع الولوج إلى العلاج.
غير أن هذه الوعود تواجه تساؤلات متزايدة من طرف جزء من الرأي العام حول مدى قدرتها على تجاوز مستوى الشعارات الانتخابية إلى التنفيذ الفعلي، خاصة أن الحزب يقود الحكومة الحالية ويتحمل مسؤولية مباشرة عن حصيلة السنوات الماضية. ويرى متتبعون أن التحدي الحقيقي أمام “الأحرار” لا يكمن فقط في صياغة التزامات جديدة، بل في إقناع المواطنين بأن ما لم يتحقق خلال الولاية الحالية يمكن إنجازه خلال الولاية المقبلة.
وفي مقابل الرهان البرنامجي الذي يقدمه التجمع الوطني للأحرار، اختار حزب الأصالة والمعاصرة خوض المعركة من زاوية أخرى، ترتكز أساسا على تعزيز حضوره الانتخابي واستقطاب الأسماء والوجوه القادرة على صناعة الفارق في صناديق الاقتراع.
ففي جهة طنجة تطوان الحسيمة، نجح الحزب خلال الأسابيع الأخيرة في استقطاب عدد من المنتخبين والأعيان الذين كانوا ينتمون إلى أحزاب منافسة، وفي مقدمتها التجمع الوطني للأحرار. وتعتبر هذه التحركات مؤشرا على اشتداد المنافسة داخل معسكر الأغلبية الحكومية نفسها، حيث لم تعد المعركة مقتصرة على مواجهة المعارضة، بل أصبحت تشمل أيضا صراعا على المواقع والنفوذ والمرشحين القادرين على حصد المقاعد الانتخابية.
ويبدو أن الأصالة والمعاصرة يراهن على تقوية شبكاته المحلية واستقطاب شخصيات ذات وزن انتخابي في عدد من الأقاليم، خاصة في الشمال، بهدف تحسين موقعه داخل الخريطة السياسية المقبلة وتعزيز حظوظه في قيادة التحالفات الحكومية بعد الانتخابات. غير أن هذا التوجه يطرح بدوره أسئلة مرتبطة بطبيعة الممارسة الحزبية ومدى اعتمادها على البرامج والأفكار مقابل الاعتماد على الأعيان والقدرات الانتخابية الفردية.
أما في صفوف المعارضة، فقد اختار حزب التقدم والاشتراكية رفع منسوب انتقاداته للحكومة، مستثمرا الملفات الاجتماعية والاقتصادية التي ما تزال تثير جدلا واسعا داخل المجتمع. ووجه الحزب اتهامات مباشرة للحكومة بالعجز عن كبح جماح الأسعار وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، معتبرا أن استمرار ارتفاع أثمان المواد الأساسية والمحروقات والخدمات يعكس محدودية الإجراءات المتخذة لمعالجة الأزمة.
كما انتقد الحزب ما وصفه باستمرار مظاهر الاحتكار والمضاربة والريع، داعيا إلى اعتماد تدابير أكثر جرأة لحماية المستهلكين وتحقيق قدر أكبر من العدالة الاقتصادية. وفي السياق ذاته، جدد مطالبته بفتح ملفات الدعم العمومي الموجه لبعض القطاعات الاقتصادية، وعلى رأسها قطاع المواشي، من خلال تفعيل آليات المراقبة والمحاسبة والوقوف على مآل الأموال العمومية المرصودة لهذا الغرض.
ولم يقتصر هجوم حزب التقدم والاشتراكية على الجانب الاقتصادي، بل امتد إلى ملفات العدالة والتعليم، حيث سجل تحفظاته بشأن عدد من الإصلاحات الجارية، داعيا إلى اعتماد مقاربات تشاركية أوسع وإلى معالجة الاختلالات المرتبطة بولوج التعليم العالي وضمان تكافؤ الفرص بين مختلف الفئات الاجتماعية والمجالية.
وتعكس هذه التحركات المتزامنة عودة الأحزاب المغربية إلى خطاب الوعود والبرامج الانتخابية مع اقتراب موعد الحسم الشعبي، غير أن الرهان الأكبر يظل مرتبطا بأزمة الثقة التي باتت تشكل أحد أبرز التحديات أمام الفاعلين السياسيين. فالمواطن الذي تابع لسنوات طويلة تبادل الوعود والشعارات ينتظر اليوم أجوبة عملونتائج ملموسة أكثر من حاجته إلى برامج جديدة أو خطابات انتخابية متجددة.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو الانتخابات المقبلة امتحانا حقيقيا للأحزاب السياسية المغربية، ليس فقط من أجل الفوز بالمقاعد البرلمانية، بل من أجل استعادة المصداقية وإقناع الناخبين بأن البرامج المعروضة ليست مجرد أوراق انتخابية موسمية، وإنما تعاقدات سياسية قابلة للتنفيذ والمحاسبة. وبين وعود “الأحرار”، وتحركات “البام”، وانتقادات “التقدم والاشتراكية”، تتشكل ملامح حملة انتخابية مبكرة ستجعل من الثقة الشعبية عنوانها الأبرز وساحة اختبارها الأكثر حساسية.
Lien hypertexte
Mention non résolue