المعارضة: الحكومة عاجزة أمام لوبيات المحروقات
يتواصل الجدل السياسي حول ملف المحروقات بالمغرب، بعدما تحول من مجرد نقاش حول الأسعار إلى مواجهة مباشرة بين المعارضة والحكومة بشأن طريقة تدبير هذا القطاع الحيوي، وسط اتهامات بتغول اللوبيات الاقتصادية وعجز السلطة التنفيذية عن فرض قواعد المنافسة وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
وخلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، صعدت المعارضة من لهجتها تجاه الحكومة، معتبرة أن قطاع المحروقات أصبح نموذجا لاختلالات السوق ولغياب الإرادة السياسية في مواجهة الاحتكار، في وقت أقرت فيه وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ليلى بنعلي، بوجود “تداخل للمصالح” و”إضعاف للإدارة” داخل القطاع، وهو ما اعتبرته المعارضة اعترافا رسميا بوجود اختلالات بنيوية تستوجب تدخلا عاجلا.
وأكد رئيس الفريق النيابي لحزب التقدم والاشتراكية، رشيد حموني، أن السؤال الذي يطرحه المغاربة اليوم هو ما إذا كانت وزارة الانتقال الطاقي هي التي تدبر فعليا سوق المحروقات أم أن القرار أصبح بيد اللوبيات المتحكمة في القطاع. وأضاف أن الحكومة لم تنجح، منذ بداية ولايتها، في ضمان الأمن الطاقي من خلال توفير المخزون الاستراتيجي، كما لم تتمكن من إخراج مرسوم تسقيف أسعار المحروقات، فضلا عن استمرار تعثر ملف إعادة تشغيل مصفاة “سامير”، رغم ما تمثله من أهمية استراتيجية بالنسبة للمملكة.
واعتبر حموني أن مظاهر الاحتكار أصبحت واضحة بالنسبة للرأي العام، مستدلا بالتزامن المتكرر في الزيادات التي تعلن عنها مختلف شركات توزيع المحروقات، وهو ما يثير، بحسبه، تساؤلات جدية حول مدى احترام قواعد المنافسة داخل السوق الوطنية.
كما انتقد ما وصفه بالإجراءات ذات الطابع الرمزي التي لا تنعكس على الحياة اليومية للمواطنين، معتبرا أن العودة إلى الساعة القانونية، رغم أهميتها بالنسبة لعدد من المغاربة، لا يمكن أن تعوض الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية المنتظرة، وعلى رأسها تنظيم سوق المحروقات والتصدي للمضاربات والاحتكار.
وفي ردها، أقرت الوزيرة ليلى بنعلي بأن قطاع المحروقات يعرف بالفعل تداخلا في المصالح وإضعافا للإدارة، معتبرة أن هذه الاختلالات ليست جديدة، بل تراكمت خلال الفترة الممتدة ما بين سنتي 2011 و2021. وأوضحت أنها قدمت منذ توليها المسؤولية برنامجا إصلاحيا يهم مختلف مكونات قطاع الطاقة، بما فيها المحروقات، غير أن عددا من الإجراءات لم تجد طريقها إلى التنفيذ.
وأشارت الوزيرة إلى أن الإشكال الحقيقي يكمن في القرارات التي لم يتم تطبيقها منذ تحرير سوق المحروقات، معتبرة أن عددا من الفاعلين لم يساندوا البرنامج الإصلاحي الذي اقترحته، كما شددت على أنها اشتغلت على تقليص فاتورة الطاقة وتحسين عدد من المؤشرات، إلا أن إصلاحات أخرى تعثرت بسبب غياب التفاعل مع المقترحات التي قدمتها.
غير أن المعارضة سارعت إلى رفض تحميل البرلمان أو المنتخبين مسؤولية هذا التعثر، حيث رد رشيد حموني بأن فرق ومجموعات المعارضة تقدمت خلال السنوات الماضية بعشرات مقترحات القوانين الرامية إلى تنظيم سوق المحروقات وإعادة ضبط آليات المنافسة، إلا أن الحكومة رفضت مناقشتها أو التفاعل معها، كما اتهم الوزيرة نفسها بعدم الحضور في مناسبات متعددة إلى اجتماعات لجنة البنيات الأساسية والطاقة والمعادن المخصصة لهذا الملف.
وأكد أن المعارضة لا تزال مستعدة للتصويت بالإيجاب على أي مشروع إصلاحي حقيقي تقدمه الحكومة خلال ما تبقى من عمر الولاية التشريعية، داعيا السلطة التنفيذية إلى الانتقال من تشخيص الاختلالات إلى تقديم حلول تشريعية وتنظيمية ملموسة.
وفي السياق نفسه، دخلت النقابة الوطنية لصناعات البترول والغاز على خط هذا الجدل، معبرة عن استغرابها من إسقاط مجلس المستشارين لمقترحي قانون يتعلقان بتسقيف أسعار المحروقات وتفويت أصول شركة “سامير” للدولة، معتبرة أن هذا الموقف يعكس تحولا في مواقف عدد من الأحزاب والنقابات مقارنة بما كانت تدافع عنه خلال الولاية الحكومية السابقة.
واعتبرت النقابة أن رفض المقترحين يصب في مصلحة اللوبيات المتحكمة في سوق المحروقات، ويكرس استمرار الاختلالات التي يعرفها القطاع، محذرة من أن استمرار الوضع الحالي ستكون له انعكاسات مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين وعلى الأمن الطاقي للمملكة.
وأكدت أن إعادة تشغيل مصفاة “سامير” من شأنها أن ترفع من المخزون الوطني للمحروقات، وتساهم في تخفيض الأسعار، وتوفير فرص الشغل، وتقليص فاتورة استيراد المواد البترولية، إضافة إلى استرجاع مليارات الدراهم من الأموال العمومية المرتبطة بمديونية الشركة والأحكام القضائية الصادرة لفائدة الدولة.
كما اعتبرت النقابة أن إسقاط مقترحي القانون يساهم في تعميق فقدان الثقة في المؤسسات المنتخبة، ويعطي الانطباع بأن الاعتبارات الاقتصادية واللوبيات أصبحت أكثر تأثيرا من المصلحة العامة، مشيرة إلى أن عددا من البرلمانيين انحازوا إلى استمرار الوضع القائم بدل الانتصار لمطالب المواطنين المتعلقة بخفض أسعار المحروقات وحماية القدرة الشرائية.
وجددت النقابة دعوتها إلى استئناف نشاط شركة “سامير”، محذرة من استمرار تدهور تجهيزاتها الصناعية وضياع خبراتها البشرية، كما طالبت مجلس النواب بتحمل مسؤوليته في مناقشة المقترحين والمصادقة عليهما، معتبرة أن البرلمان مطالب اليوم بتقديم إجابات عملية على واحدة من أكثر القضايا الاجتماعية والاقتصادية حساسية.
ويعيد هذا النقاش إلى الواجهة ملف تحرير سوق المحروقات، الذي ما يزال يثير انقساما سياسيا واسعا، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار وتزايد المطالب بإعادة تنظيم القطاع، ووضع آليات قانونية ورقابية أكثر صرامة لضمان المنافسة والشفافية، وإنهاء كل أشكال تضارب المصالح التي باتت، وفق اعترافات رسمية وانتقادات المعارضة والنقابات، تمثل أحد أبرز التحديات أمام إصلاح سوق الطاقة بالمغرب.