تقرير: هدر الطعام واستيراد الغذاء يربك ميزانية المغرب
كشف تقرير حديث للبنك الدولي أن الأمن الغذائي في المغرب لم يعد يرتبط فقط بالإنتاج الفلاحي أو بتقلبات المناخ، بل أصبح مرتبطا أيضا بسلوك الاستهلاك ومستويات هدر الطعام، في وقت تواصل فيه فاتورة استيراد المواد الغذائية ودعمها استنزاف جزء مهم من ميزانية الدولة.
وأوضح التقرير أن المغرب ما يزال يعتمد بشكل كبير على الأسواق الخارجية لتأمين احتياجاته الغذائية، حيث يستورد أكثر من نصف حاجياته من القمح، بينما تقدر فاتورة استيراد الغذاء بحوالي 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يشكل عبئا متزايدا على الاقتصاد الوطني، خاصة في ظل ارتفاع الأسعار العالمية وتداعيات التغيرات المناخية.
كما أشار التقرير إلى أن الدولة تخصص اعتمادات مالية مهمة لدعم الغذاء، بلغت نحو 0.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، إضافة إلى دعم القطاع الفلاحي الذي يناهز 1.2 في المائة، في محاولة للحفاظ على استقرار الأسعار وضمان تزويد الأسواق بالمواد الأساسية.
ورغم هذه المجهودات، لا يزال نحو 13.6 في المائة من المغاربة غير قادرين على تحمل تكلفة نظام غذائي صحي ومتوازن، وهو ما يبرز استمرار التفاوتات الاجتماعية والغذائية، ويدفع إلى تعزيز آليات الاستهداف الاجتماعي، خاصة عبر السجل الاجتماعي الموحد الذي أصبح أداة لتوجيه الدعم نحو الأسر الأكثر هشاشة.
وأكد التقرير أن أكبر مفارقة تواجه المغرب تتمثل في أن جزءا مهما من الغذاء الذي تتحمل الدولة تكاليف استيراده أو دعمه ينتهي في سلة النفايات، حيث يتم هدر ما يقارب ثلث المواد الغذائية على امتداد سلسلة الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، من الضيعات الفلاحية إلى موائد الأسر والمطاعم والمحلات التجارية.
واعتبر البنك الدولي أن تقليص هذا الهدر يمكن أن يحقق نتائج اقتصادية واجتماعية أكبر من ضخ استثمارات إضافية، لأنه سيخفف الضغط على الواردات، ويقلص من نفقات الدعم، ويحسن الأمن الغذائي، دون الحاجة إلى موارد مالية إضافية.
ويأتي هذا التحذير في سياق تزايد الضغوط التي تواجه القطاع الفلاحي المغربي بسبب سنوات الجفاف المتتالية، والتي أثرت بشكل مباشر على إنتاج الحبوب، حيث سجلت المحاصيل انخفاضا بحوالي 40 في المائة خلال الفترة الممتدة بين 2016 و2023، كما تقلصت المساحات المزروعة بنسبة 44 في المائة، الأمر الذي دفع المغرب إلى رفع وارداته من القمح بنحو 30 في المائة.
ورغم أن الأراضي المروية لا تمثل سوى حوالي خمس المساحات المزروعة، فإنها تنتج أكثر من نصف القيمة المضافة للقطاع الفلاحي، وترتفع مساهمتها إلى نحو ثلاثة أرباع الإنتاج خلال سنوات الجفاف، وهو ما يجعل قضية الماء أحد أكبر التحديات التي تواجه الأمن الغذائي بالمملكة.
ولم يقف التقرير عند حدود التشخيص، بل دعا إلى مراجعة السياسات الفلاحية والغذائية بشكل شامل، عبر تشجيع الزراعات المقاومة للتغيرات المناخية، وتوسيع استعمال تقنيات الري المقتصد للمياه، واعتماد التكنولوجيا الزراعية الحديثة، وتحسين الخدمات اللوجستية، وتطوير آليات التمويل والتأمين الفلاحي، إلى جانب تعبئة الموارد المائية بشكل أكثر فعالية.
كما شدد على أهمية الحد من تدهور التربة، واعتماد تقنيات الزراعة المحافظة، مثل الحراثة الصفرية، التي يطمح المغرب إلى تعميمها على مليون هكتار بحلول سنة 2030، لما توفره من اقتصاد في المياه والوقود واليد العاملة، إضافة إلى مساهمتها في تحسين الإنتاجية.
وفي جانب آخر، لفت التقرير إلى أن القطاع الفلاحي يشغل نحو 32 في المائة من اليد العاملة بالمغرب، ما يجعل أي تراجع في الإنتاج بسبب الجفاف ينعكس مباشرة على فرص الشغل والدخل، رغم التطور الذي عرفته الصناعات الغذائية الموجهة للتصدير، خاصة في مجالات الفواكه والخضر والزيتون وتعليب الأسماك.
ودعا البنك الدولي أيضا إلى تعزيز السياسات المرتبطة بالاستهلاك الغذائي، وتشجيع المواطنين على تبني أنماط استهلاك أكثر ترشيدا، مع الحد من شراء كميات تفوق الحاجة، والرفع من الوعي بخطورة رمي الطعام، معتبرا أن تغيير السلوك الاستهلاكي يمثل رافعة أساسية لتقوية الأمن الغذائي.
كما أوصى بتشديد الرقابة على المنتجات الغذائية غير الصحية، خاصة تلك الموجهة للأطفال، وسد الثغرات التنظيمية في سلاسل التوريد، واعتماد سياسات ضريبية وتشريعية تشجع على الغذاء الصحي وتحد من الأمراض المرتبطة بسوء التغذية.
ويخلص التقرير إلى أن مستقبل الأمن الغذائي في المغرب لن يتوقف فقط على زيادة الإنتاج أو رفع الاستثمارات، بل سيتحدد أيضا بقدرة المجتمع على الحد من هدر الطعام، باعتباره خسارة اقتصادية مباشرة تتحمل الدولة جزءا كبيرا من تكلفتها عبر الاستيراد والدعم، في وقت تتزايد فيه التحديات المناخية والمالية، وتصبح كل لقمة يتم التخلص منها عبئا إضافيا على ميزانية الدولة والأمن الغذائي الوطني.