ضرائب جديدة تدخل حيز التنفيذ بالمغرب

0

دخلت ابتداء من فاتح يوليوز الجاري حزمة جديدة من التدابير الجبائية حيز التنفيذ بالمغرب، في إطار مواصلة تنزيل الإصلاح الضريبي الذي تبنته الدولة خلال السنوات الأخيرة بهدف تحديث المنظومة الجبائية، وتعزيز الشفافية في المعاملات المالية والعقارية، والحد من التهرب الضريبي، وتشجيع اعتماد وسائل الأداء البنكية والإلكترونية بدل التعاملات النقدية.

وتهم هذه الإجراءات الجديدة عددا من المجالات المرتبطة بالكراء العقاري والمعاملات العقارية وواجبات التسجيل، حيث ينتظر أن يكون لها أثر مباشر على المؤسسات الاقتصادية الكبرى والملاك والمستثمرين والمهنيين، مع إرساء آليات جديدة لتحصيل الضرائب وتوسيع نطاق الخضوع الضريبي.

ومن أبرز المستجدات التي دخلت حيز التطبيق اعتماد نظام الحجز في المنبع بالنسبة إلى عائدات الكراء العقاري في حالات محددة. ويقضي هذا النظام بإلزام المؤسسات والشركات التي يساوي أو يفوق رقم معاملاتها السنوي 500 مليون درهم، دون احتساب الضريبة على القيمة المضافة، باقتطاع الضريبة المستحقة مباشرة من مبالغ الكراء التي تؤديها لفائدة الملاك، قبل تحويلها إلى إدارة الضرائب داخل الآجال القانونية.

ويشمل هذا الإجراء كذلك الأشخاص الذاتيين الخاضعين لنظام النتيجة الصافية الحقيقية أو نظام النتيجة الصافية المبسطة، حيث يتم اقتطاع نسبة خمسة في المائة من مبلغ الكراء دون احتساب الضريبة على القيمة المضافة، على أن يحتفظ المكترون بوثائق تثبت عملية الاقتطاع، مع تمكين المكلفين بالضريبة من خصم هذه المبالغ من الضريبة النهائية المستحقة أو استرجاع الفائض وفق المساطر المعمول بها.

ويرى مختصون في المجال الجبائي أن اعتماد الحجز في المنبع يشكل آلية فعالة لضمان استخلاص الضريبة والحد من حالات التصريح غير الكامل بمداخيل الكراء، كما ينسجم مع التوجه العام للإدارة الجبائية الرامي إلى رقمنة عمليات التحصيل وتحسين المراقبة الجبائية.

وفي الجانب الإداري، أصبح الأشخاص أو المؤسسات الملزمون بالحجز في المنبع مطالبين بإيداع المبالغ المقتطعة لدى المديرية العامة للضرائب قبل نهاية الشهر الموالي لعملية الاقتطاع، مع تقديم تصريحات مفصلة تتضمن هوية المستفيدين ومبالغ الكراء والضرائب المقتطعة، وهو ما يعزز تتبع العمليات المالية ويحد من المنازعات المرتبطة بالتصريح الضريبي.

كما وسعت المقتضيات الجديدة مفهوم عائدات الكراء الخاضعة للاقتطاع، ليشمل مختلف العقارات المبنية وغير المبنية، والمحلات التجارية والمكاتب والمخازن والأراضي وغيرها من الأملاك العقارية، مع الإبقاء على بعض الاستثناءات التي تخص الحالات المنصوص عليها قانونا، خاصة بالنسبة لبعض الهيئات أو الأشخاص غير الخاضعين للضريبة على الشركات أو المستفيدين من الإعفاءات القانونية.

ومن جهة أخرى، حملت الإصلاحات الجديدة مستجدا مهما يتعلق بواجبات التسجيل، من خلال فرض رسم إضافي بنسبة اثنين في المائة على بعض عمليات نقل الملكية التي تتجاوز قيمتها 300 ألف درهم، سواء تعلق الأمر بالعقارات أو بالأصول التجارية، وذلك عندما لا يتم إثبات أداء الثمن عبر وسائل الأداء البنكية أو الإلكترونية أو بواسطة الشيكات المسطرة.

ويأتي هذا الإجراء في سياق توجه السلطات نحو تقليص الاعتماد على الأداء النقدي في المعاملات ذات القيمة المرتفعة، وتعزيز إمكانية تتبع حركة الأموال، بما يساهم في محاربة غسل الأموال والتهرب الضريبي، وتوفير ضمانات أكبر لجميع أطراف التعاقد.

ويطبق هذا الرسم الإضافي بشكل مرن، إذ يقتصر على الجزء من الثمن الذي تم أداؤه نقدا، بينما يعفى الجزء الذي تم تحويله عبر الحسابات البنكية أو وسائل الأداء الإلكترونية. ففي حالة أداء نصف قيمة العقار بواسطة تحويل بنكي والنصف الآخر نقدا، فإن الرسم الإضافي يطبق فقط على الجزء النقدي، وهو ما يشجع المتعاملين على اعتماد الوسائل الرسمية في الأداء.

ويرى خبراء الاقتصاد أن هذه التدابير تندرج ضمن استراتيجية أوسع لإصلاح المنظومة الجبائية الوطنية، بما يضمن توسيع الوعاء الضريبي وتحقيق العدالة الجبائية بين مختلف الملزمين، إضافة إلى تعزيز الثقة في السوق العقارية وحماية حقوق المتعاملين من خلال توثيق عمليات الأداء.

كما تتقاطع هذه الإجراءات مع التوجهات الحكومية الرامية إلى رقمنة الخدمات العمومية وتبسيط المساطر الإدارية، حيث أصبحت الإدارة الجبائية تعتمد بشكل متزايد على التصريح والأداء الإلكترونيين، مما يتيح سرعة معالجة الملفات وتقليص الأخطاء وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمرتفقين.

ويؤكد متابعون أن المرحلة المقبلة ستتطلب من الشركات والمهنيين والمواطنين الاطلاع على المقتضيات الجديدة والتقيد بها، تفاديا للعقوبات والغرامات التي قد تترتب عن عدم احترام الالتزامات الضريبية أو الإدارية. كما ينتظر أن تواكب الإدارة الجبائية هذه الإصلاحات بحملات تواصلية وتوضيحية لفائدة الملزمين، قصد شرح كيفية تطبيق المقتضيات الجديدة والإجابة عن الإشكالات العملية التي قد تثار خلال الأشهر الأولى من دخولها حيز التنفيذ.

وتعكس هذه الإصلاحات استمرار المغرب في تحديث نظامه الجبائي بما يتلاءم مع المعايير الدولية للحكامة المالية والشفافية، ويعزز موارد الدولة، ويكرس مناخا اقتصاديا أكثر تنظيما، خاصة في قطاع العقار الذي يعد من أهم القطاعات المساهمة في النشاط الاقتصادي والاستثمار الوطني.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.