هل تقبر الحكومة المندوبية السامية للتخطيط؟
كشفت خطوة تشريعية للحكومة أبعادا مؤسساتية عميقة، حيث صادقت الحكومة، خلال اجتماع مجلسها الأسبوعي، على حزمة من مشاريع القوانين التي تعيد رسم معالم المنظومة الوطنية للإحصاء والتخطيط، في توجه اعتبره متابعون بداية نهاية النموذج التقليدي الذي اشتغلت في إطاره المندوبية السامية للتخطيط لعقود، والانتقال نحو هندسة مؤسساتية جديدة تقوم على الحكامة والاستقلالية والضبط والتنسيق الاستراتيجي.
ويبرز ضمن هذه الإصلاحات مشروع القانون رقم 046.26 المتعلق بالنظام الإحصائي الوطني، الذي يقضي بإحداث المجلس الوطني للمعلومة الإحصائية باعتباره هيئة للضبط تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي، تتولى السهر على احترام المبادئ الأساسية للإحصاءات الرسمية وضمان جودة المعطيات والإشراف على حسن سير النظام الإحصائي الوطني.
ويأتي هذا الإصلاح في سياق تنزيل التوجيهات الدستورية المتعلقة بهيئات الحكامة الجيدة، خاصة الفصل 159 من الدستور، الذي يؤطر إحداث المؤسسات المستقلة المكلفة بضمان الجودة والشفافية والحكامة في القطاعات الاستراتيجية، وهو ما يعكس رغبة الدولة في تجاوز المقاربة التقليدية التي كانت تجعل إنتاج الإحصائيات والتخطيط العمومي محصورا داخل جهاز إداري واحد.
وبموازاة ذلك، صادقت الحكومة على مشروع القانون رقم 047.26 المتعلق بالمندوبية السامية للتخطيط، والذي يقترح تحولا جذريا في طبيعة هذه المؤسسة، من إدارة مركزية إلى هيئة للحكامة الجيدة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الإداري والمالي، مع توسيع اختصاصاتها لتشمل، إلى جانب إنتاج ونشر الإحصاءات الرسمية وإعداد الحسابات الوطنية والجهوية والقطاعية، مهام جديدة ترتبط بتنسيق سياسات التنمية وتتبعها وتقييمها وفق معايير حديثة تستجيب لمتطلبات النموذج التنموي الجديد.
ويرى متابعون أن هذه التغييرات تعني عمليا إقبار الصيغة التقليدية للمندوبية السامية للتخطيط، التي ظلت لعقود المؤسسة المرجعية الوحيدة في إنتاج الأرقام والمؤشرات، لفائدة نموذج جديد يقوم على تعدد الفاعلين، وإحداث جهاز للضبط، وتعزيز استقلالية القرار الإحصائي، بما يقرب المغرب من التجارب الدولية التي تفصل بين إنتاج المعطيات والإشراف على احترام قواعدها وجودتها.
كما أن إحداث المجلس الوطني للمعلومة الإحصائية يمنح المنظومة الوطنية آلية جديدة للتنسيق بين مختلف القطاعات والمؤسسات المنتجة للبيانات، بما يسمح بتوحيد المعايير والمنهجيات، وضمان انسجام المؤشرات الوطنية، وتعزيز ثقة الفاعلين الاقتصاديين والمؤسسات الدولية في الأرقام الرسمية الصادرة عن المملكة.
ولا يقف الإصلاح عند الجانب المؤسساتي، بل يمتد إلى فلسفة جديدة في تدبير السياسات العمومية، تقوم على اتخاذ القرار بناء على المعطيات الدقيقة والمؤشرات العلمية، وربط برامج التنمية بآليات التتبع والتقييم المستمر، مع إيلاء أهمية خاصة للبعد الجهوي والترابي، بما ينسجم مع ورش الجهوية المتقدمة ومتطلبات العدالة المجالية.
وفي السياق ذاته، صادق مجلس الحكومة على مشروع القانون رقم 051.26 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، والذي يهدف إلى ترتيب الآثار القانونية المترتبة على قرار المحكمة الدستورية بشأن القانون رقم 16.22، وذلك في إطار احترام المقتضيات الدستورية وتنزيل قرارات القضاء الدستوري، بما يضمن إخراج نص قانوني يستجيب للملاحظات التي أبدتها المحكمة الدستورية.
كما اطلع المجلس على اتفاق للتعاون الجمركي بين المملكة المغربية وجمهورية مصر العربية، الموقع بالقاهرة في السادس من أبريل 2026، وصادق على مشروع القانون المتعلق بالموافقة عليه، في إطار تعزيز التعاون الثنائي وتطوير المبادلات التجارية والجمركية بين البلدين.
واختتم مجلس الحكومة أشغاله بالمصادقة على عدد من التعيينات في مناصب عليا، طبقا لأحكام الفصل 92 من الدستور، حيث تم تعيين يحيى عوكاش مديرا للتشغيل بوزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، فيما تم تعيين محمد أمين لحرش مديرا عاما للانتقال الرقمي على مستوى الوزارة المنتدبة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة.
وتعكس هذه الإصلاحات، في مجملها، توجها حكوميا نحو إعادة بناء منظومة إنتاج المعلومة الإحصائية والتخطيط العمومي على أسس جديدة، تجعل من الاستقلالية والجودة والحكامة والنجاعة مرتكزات أساسية في تدبير الشأن العام، وتؤسس لمرحلة تتجاوز النموذج الإداري التقليدي للمندوبية السامية للتخطيط نحو منظومة مؤسساتية أكثر انفتاحا وتنسيقا، قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية وتوفير معطيات دقيقة تدعم صناعة القرار العمومي ورسم السياسات التنموية المستقبلية.