مفارقات: الأغلبية تنافس نفسها في الانتخابات
عبد الرحيم عاشر كاتب صحفي
يشهد المشهد السياسي المغربي مفارقة غير مسبوقة، تتمثل في انتقال مكونات الأغلبية الحكومية من موقع الدفاع الجماعي عن الحصيلة إلى موقع التمايز السياسي، حيث بات كل حزب يسعى إلى تقديم نفسه باعتباره صاحب الحلول، حتى وإن كان جزءا من الحكومة التي تتحمل مسؤولية تدبير المرحلة الحالية. وأصبح خطاب الغلاء والقدرة الشرائية عنوانا بارزا لهذا التحول، بعدما تحول من ورقة تستعملها المعارضة إلى موضوع تتنافس حوله أحزاب الأغلبية نفسها.
ففي الوقت الذي أكد فيه محمد المهدي بنسعيد، القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، أن حزبه سيقدم برنامجا انتخابيا يركز على حماية القدرة الشرائية للمواطنين وإيجاد حلول للغلاء، حمل كلامه اعترافا ضمنيا بأن الأزمة الاجتماعية ما تزال قائمة، وأن المواطنين ينتظرون أجوبة جديدة رغم أن الحزب يوجد في قلب الحكومة منذ بداية الولاية الحالية. كما حرص على الدفاع عن حصيلة وزراء حزبه، مع الإشارة إلى وجود استهداف من داخل الأغلبية نفسها، وهو ما يعكس حجم التوتر السياسي الذي أصبح يطبع العلاقات بين مكونات التحالف الحكومي.
ولم يقتصر الأمر على حزب الأصالة والمعاصرة، بل إن حزب الاستقلال بدوره اختار أن يسلط الضوء على الاختلالات المرتبطة بارتفاع الأسعار. فقد اعتبر أمينه العام نزار بركة أن تعدد الوسطاء في سلاسل توزيع المنتجات الغذائية يمثل أحد الأسباب الرئيسية لغلاء الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، مستندا إلى معطيات صادرة عن مجلس المنافسة. ورغم أهمية هذا التشخيص، فإن صدوره عن حزب يقود قطاعات حكومية أساسية يثير تساؤلات حول أسباب تأخر معالجة هذه الاختلالات طوال سنوات الولاية الحكومية، وما إذا كان هذا الخطاب يعبر عن مراجعة للسياسات أم عن استعداد مبكر للمرحلة الانتخابية.
هذا التمايز في الخطاب يعكس انتقال أحزاب الأغلبية من منطق التضامن الحكومي إلى منطق المنافسة الانتخابية. فبدل الدفاع المشترك عن الإنجازات أصبح كل حزب يحاول إقناع الناخبين بأنه الأكثر قدرة على معالجة الأزمات، مع تحميل مسؤولية التعثر لعوامل خارجية أو لشركائه داخل الحكومة. وهنا تبرز مفارقة سياسية لافتة، إذ تتحول الحكومة إلى فضاء تتبادل داخله مكوناتها الانتقادات بشكل غير مباشر، بينما ينتظر الرأي العام تحديد المسؤوليات بشكل واضح.
في المقابل، وجدت المعارضة في هذا الوضع فرصة لتعزيز خطابها السياسي. فقد اعتبر نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، أن الحصيلة الحكومية اتسمت بالفشل والاختيارات الطبقية وتضارب المصالح، معتبرا أن الغلاء وارتفاع البطالة واتساع الفوارق الاجتماعية مؤشرات على تعثر السياسات العمومية. كما دعا إلى جعل الانتخابات المقبلة محطة للتغيير السياسي، منتقدا ما وصفه بضعف الأداء الحكومي وتراجع الثقة في المؤسسات المنتخبة.
غير أن اللافت في المرحلة الحالية هو أن جزءا كبيرا من الانتقادات التي كانت تصدر عن المعارضة أصبح يجد صداه داخل مكونات الأغلبية نفسها، سواء من خلال الاعتراف باستمرار أزمة القدرة الشرائية أو الحديث عن اختلالات السوق أو الإقرار بوجود توترات داخل التحالف الحكومي. وهو ما يمنح المعارضة زخما إضافيا، لكنه في الوقت نفسه يطرح إشكالا يتعلق بحدود المسؤولية السياسية، لأن المواطنين قد يجدون أنفسهم أمام أحزاب تقدم وعودا جديدة لمعالجة مشاكل كانت تمتلك سلطة معالجتها وهي داخل الحكومة.
ويؤكد هذا المشهد أن الحملة الانتخابية بدأت عمليا قبل موعدها الرسمي، حيث تسعى الأحزاب إلى إعادة تموقعها سياسيا، وإعادة صياغة خطابها بما يسمح لها بالحفاظ على رصيدها الانتخابي أو توسيعه. ويبدو أن ملف الغلاء أصبح المدخل الرئيسي لهذا التنافس، باعتباره القضية الأكثر حضورا في الحياة اليومية للمغاربة، والأكثر تأثيرا في اتجاهات الرأي العام.
لكن هذا التحول يفتح أيضا نقاشا أعمق حول مفهوم المسؤولية الحكومية في النظام السياسي. فحين يتبنى وزراء وأمناء عامون لأحزاب مشاركة في السلطة خطابا ينتقد نتائج السياسات العمومية أو يعد بإيجاد حلول جديدة بعد سنوات من المشاركة في تدبيرها، فإن ذلك يطرح سؤالا جوهريا حول كيفية تقييم الحصيلة الحكومية، وحول مدى انسجام الخطاب السياسي مع المسؤولية التنفيذية.
ومع اقتراب الانتخابات، يبدو أن التنافس لن يكون فقط بين الأغلبية والمعارضة، بل أيضا داخل الأغلبية نفسها، حيث يسعى كل حزب إلى تقديم نفسه باعتباره صاحب المشروع الأفضل والأقل مسؤولية عن الأزمات. غير أن الناخب المغربي سيكون مطالبا هذه المرة بالتمييز بين الوعود الجديدة والحصيلة الفعلية، وبين الخطاب الانتخابي ومسؤولية تدبير الشأن العام، لأن معيار المحاسبة الديمقراطية لا يقوم فقط على البرامج المستقبلية، بل أيضا على تقييم ما تحقق خلال سنوات ممارسة السلطة.