في الحركة بركة، وفي العائلة داخل حزب الاستقلال، صدقٌ وصدقة.
سيدي محمد الناصري:فاعل سياسي وجمعوي بمدينةمراكش.
كيف لنا، ألا نفتخر ونعتز، كون حزب الاستقلال، حزب الأمة، حزب الأجداد، حزب والأسرة وحزب العائلة؟؟.
العائلةُ هي الكنف، هي الخلف والسلف، هي الامتداد والاستمرارية.
العائلة داخل حزبنا العتيد، ليست مجرد رابطة بيولوجية أو اجتماعية، أو اقتصار على هذا دون ذاك، إنما هي النواة الأولى والمحرك الأساسي الذي يمنح المناضل هويته وقيمه، وفرَصه كاملةً شاملة. وعندما تتوسع هذه العائلة لتصبح سيرورة فكرية وسياسية؛ فإنها تتحول من مجرد وحدة عاطفية – كما يظن البعض- إلى قوة مؤسسية فاعلة ومتفاعلة. إنها كيان متكامل يضمن التكافل والتآزر، إنها الحصن الذي يجد فيه الفرد الأمان والدعم النفسي، حيث يصبح الحال غير مقتصر على الأمور الشخصية، بل ينطلق ليشمل التناغم في الرؤيتين الاجتماعية والاقتصادية قبل السياسية، ليصبح بذلك نجاح الفرد نجاحا للجميع، نجاحا لأفكار حزب الاستقلال.
إن العائلة الاستقلالية ليست ثابتة، إنها صيرورة للأجيال، عندما يتبنى أفرادها مسارا معينا؛ فإنهم ينقلون، جينيا، عقيدة الميزان وإيديولوجية اللون الوردي، من الآباء إلى الأبناء ثم الى الأحفاد، وهذا أمر محمود – يا من تبعد أبناءك عن الانخراط في الحزب – مما يجعل حزبهم، كنفهم، جزءا من إرث جمعي يُحمى ويُدافع عنه بالنواجد؛ فعندما يصبح مفهوم العائلة، في معناه الشمولي، هو المحرك الأساسي لحزب سياسي – وهذا أمرٌ يغيب عن أحزاب متعددة ـ فإنه يمنح الحزب ميزات تنافسية تجعل دوامه ونجاحه أمرا مضمونا. وبذلك يغدو الحزب مختبرا للقيم؛ فإذا كانت هذه القيم قائمة على التعاون البناء، يصبح الحزب قوةً دافعة للتنمية، تنميةُ الأفراد والأحواز والأحوال، دون أن يتحول هذا المفهوم إلى حلقة مغلقة، مما يؤدي إلى شخصنة العمل السياسي وتقليص الفرص و مزاحمة الكفاءات، الشأن الذي لا علاقة له بحزب الاستقلال؛ فلولا تدافع المناضلين بعضهم ببعض لفسد الحزب، وفي تدَبّر شؤون الحزب فليتنافس المتنافسون؛ إذ أكد التاريخ منذ التأسيس أن فكرة حزبنا العتيد، حزب الاستقلال، لم ترُج إلا بين ثلاث أو أربع عائلات وعلى رأسهم عائلة الفاسي؛ فاتحدت العائلات المؤسسة حول مسار سياسي يعرفه الجميع، لتتحول إلى كتلة صلبة غير مخترَقة من طرف المستعمر، هذه الكتلة الميمونة، المباركة، التي تضاعف حجمها بالآلاف، لتُكون تلك الشبكة من التشعبات الأفقية والعمودية، إما بالاستدراج العقلاني أو الاستقطاب العاطفي، فيها الأولاد والأحفاد، ذكورا إناث، وأزواجهم وزوجاتهم، وجيرانهم والمقتنعين بفكرهم، والمتعاطفين معهم، والملتحقين بركبهم؛ لتظهر عناوين وأسماء وألقاب وكنيات لعائلات كبيرة، كثيرة ومتنوعة، ضمت جميع الطبقات المجتمعية والمستويات التعليمية والأكاديمية. الحال الذي ضمن استمرارية حزب الاستقلال في التاريخ السياسي المغربي والعربي، بل العالمي؛ إذ تحول الولاء من مجرد اختيار عقلاني ضيق، خُلق لسبب سامي، إلى هوية وجودية يصعب التخلي عنها، ومن مجرد عائلة واحدة صغيرة من ثلاثة أو أربعة أفراد، هي مَن تحملت عناء البدايات، الى عائلات كثيرة مترامية الأطراف، منتشرة عبر ربوع المملكة، صحيحٌ أنها تحمل أسماء مختلفة، لكنها تجتمع وتنصهر تحت عنوان عريض واحد، هو حزبُ الاستقلال، حزب الأمة، حزب الأجداد، حزب الأسرة وحزب العائلة، دستوره الدائم ومنهله الفكري العليم، هو مصنف النقد الذاتي للزعيم علال الفاسي.
فكيف لي، إذن، أن أجرد أسماء كل تلك العائلات، الرائعات، العظيمات التي بنت صرح حزب الاستقلال، التي شكلت عموده الفقري، فقرة، فقرة، سواء من المتقدمين أو المتأخرين أو المحدثين؟:
عائلة الفاسي، عائلة بلافريج، والوزاني،
وبن عبد الجليل، وعائلة مكوار، وبن ادريس…؛ تلك العائلات المؤسسة، التي تخلّقت في رحم الحركة الوطنية؛ فكان دافعها ديني، قومي، ووطني هوياتي، وغايتها مقاومة المستعمر، هاته المقاومة التي توجت بوثيقة المطالبة بالاستقلال 44. فأما الجيل الثاني من العائلات الكريمات، الذي أخذ المشعل من الجيل الأول، واتّكأ على فكره وفلسفته ليتواصل النضال ويستمر الجهاد من أصغره الى أكبره، نجد منها عائلة بوستة، عائلة بوعبيد واليوسفي والدويري و بن بركة …، كان دافعها بناء مغرب الديمقراطية والمؤسسات، وانتزاع الحريات العامة، وإعلاء مصلحة المواطن، جيلٌ رفع سقف الطموحات، فجْر الاستقلال، الشأوُ الذي لم يستسغه المخزن، لينقسم هذا الجيل وتتعدد أفكار رجاله ونسائه بين اليسارية واليمينية وغيرهما.
رجوعا الى مسألة استدراج هذه العائلات، سواء الجيل الأول أوالثاني، لابنائهم لدخول المجال السياسي أو الحزبي، فالفعل هَهُنا كان غير ممكن، نظرا لأن الجيل الأول كان مهددا بالاستشهاد والتضحية بالأرواح، والثاني كان مهددا بالترهيب والتخويف ثم الاعتقال؛ فكيف لهم أن يقحموا فلذات أكبادهم، مع استثناءات قليلة، في مشهد سياسي مريب يبعث على العنف والإكراه.
فأما جيل العائلات الذي قبل جيلي، والذي توجد ضمنه عائلة الناصري (والدي مولاي أحمد الناصري، رحمة الله عليه، كان عضوا بالاتحاد العام للشغالين، وقبله عمه الذي قاوم طغيان القايد المتوݣي، يحمل بطاقة الحزب الخضراء)، هذا الجيل المحظوظ ضم عائلات كبيرة: نذكر منها دون ترتيب، عائلة بركة، عائلة ولد الرشيد، الخليفة، الوفا، العاصمي، قيوح، آيت بوعلي، ماء العينين، الراشدي، البقالي، غلاب، البكاري، الشرقاوي، مهمين، مضيان، اللبار، حجيرة، الزومي، البوزيدي، الوردي …، بالإضافة إلى عائلات جيش من المفتشين المتعاونين، وعلى رأسهم عائلة حنين اليوم. أما على مستوى مراكش، فأذكر من عايشتهم من جيلي، ومنهم أساتذتي: عائلة مبتهيج، الحسني بطي، الدفالي الإدريسي، الشيحة، الثقة، عائلة المهداني، الذهبي، جوهر، أحبوشة، أيت القاضي، الزݣزوتي، اعبودو، عائلة العمراني، الزويني، أبو عمران، المنصوري، السباعي، الطالبي، عائلة تابث، الفرناوي السوسي، بن هلال، أكنسوس، بابو، إخيش، عيسى، الخطيب، كروم، أبدوح، الماوي، جواد، بهرير، العربي، لفراوي والصبيحي…؛ فتلك العائلات الكريمات جلها، إن لم نقل كلها، مارست حزب الاستقلال أبا عن جد وحفيدا عن ابن؛ فقد أكون غافلا لأسماء بعض العائلات عن غير قصد، لكنّ استثنائي لبعضها كان مقصودا كونها لا تندرج ضمن منظوري أو قصدي من هذه المقالة، التي تتحدث عن التواجد المركَّب والمتجدِّد، أو المؤلَّف والمستمر للعائلة داخل الحزب، وليس أولئك (المناضلين) الذين يأتون فرادى، يدخلون الحزب لغرض ويخرجون منه بغرض، فأما استمرار تواجدهم فرهين بامتداد الغرض نفسه، ومع ذلك فهم يتقاسمون معنا صفة مناضل، ونحن لوجودهم ممتنون؛ تلك حالات خاصة نقبلها على ما هي عليه، جاءت تبحث عن العائلة داخل الحزب، حالات تُحسن التواجد في المنطقة الرمادية، تتمايل بين اليمين واليساد بين السواد والبياض؛ فمنها من كان بارا بعائلته المختارة، ومنها من كان عاقا، جاحدا، ناكرا للجميل، وفي ذلك أمثلة كثيرة، مقامنا لا يليق لذكرها.
فأما عن قولي عن العائلات المحدثة، عائلاتٌ محظوظة بخلاف العائلات المؤسسة والمتأخرة؛ فلأنها وجدت الأجواء شبه صافية، والسماء مبتسمة غير متهجمة، بفضل الجيل الثاني الذي انتصر الى حد ما لمغرب الديمقراطية والمؤسسات، ليظهر قانون الحريات العامة وقانون الأحزاب ومدونة الأسرة، ومدونة الانتخابات، لتبدأ النهضة الشاملة، ويتسابق حزب الاستقلال الى تأسيس الجمعيات على أشكالها وأنواعها؛ فكانت غايته هي تكوين وتأهيل العنصر البشري أولا، وبعد إصدار رواد المرحلة لوثيقة المطالبة بالتعادلية الاقتصادية والاجتماعية 63، إثر الخرق الذي عرفته مكتسبات ما بعد الاستعمار، بادر حزب الاستقلال الى تأسيس الروابط المهنية والاتحادات العمالية، لاستكمال أكاديميته التي خرّجت مجموعة كبيرة من الأطر والكفائات في جميع الميادين، هي التي بنت، مشكورة، مبرورة، للمغرب الذي نعيشه اليوم، وهذا تاريخ شاهد بعينين جاحظتين، وجب على جيل Z الرجوع إليه.
مرحلة عصيبة تحمل أعباءها الراحل محمد بوستة رحمة الله عليه 98/74، لتتواتر الشعارات الداعية إلى تمكين الشباب من المسؤولية لضمان استمرار الحزب وإعطائه حياة أخرى (إن الحزب دونكم فخذوه … مَحمد بوستة 93)، لتتوفر أجواءُ التأطير والتكوين، بتمكين جمعيات الحزب وهيئاته ماديا ومعنويا؛ فتلك الأسماء المتكررة داخل دواليب الحزب لعائلات، إما من الجيل المؤسس أو الجيل الثاني أو الجيل الثالث، التي أثارت حفيظة بعض المستحدثين جداااا داخل صفوف الحزب، مغررا بهم، بمناسبة المؤتمر الأخير للشبيبة الاستقلالية، فأولئك كلهم – مع استثناءات فرضتها ظروف تقنية أو ضرورة علمية علاقة بالمستجدات الرقمية، التي لا يعيش جيل اليوم إلا بها ومعها – كلهم أخذوا المشعل عن آبائهم، ليس بالتعيين أو المحاباة، وإنما بالانخراط تدريجيا داخل صفوف الحزب، بدءا باستفادتهم كأطفال، ذكورا وإناثا، من المخيمات الصيفية التي توفرها الجمعيات ذات الاختصاص داخل الحزب، (جمعية التربية والتنمية، الشبيبة المدرسية، الكشاف المغربي، البناة، فتيات الانبعاث والشبيبة الشغيلة)، الى انخراطهم في دواليب أو مكاتب نفس الجمعيات، وصولا الى الشبيبة الإستقلالية أو الاتحاد العام لطلبة المغرب أو المرأة الإستقلالية – الشي الذي وقع معي ومع أقراني – الى التحاقهم في مرحلة عمرية متقدمة، علاقة بظروفهم المهنية، إما بالاتحاد العام للشغالين، أو الاتحاد العام للفلاحين، أو الاتحاد العام للمقاولات والمهن، أو إحدى الروابط المهنية، وفي خضم ذلك تدافع محمود بينهن وبينهم لبلوغ عضوية المجلس الوطني للحزب، واللجنة المركزية، ثم اللجنة التنفيذية، وصولا إلى مؤسسة الأمانة العامة للحزب، (حال نزار بركة اليوم).
كلها مدارسٌ أساتذتها أخيارٌ و شرفاء، شكلت عبر الزمن أكاديمية الحزب للتكوين التربوي والتأهيل السياسي، مدرجةٌ شروطها وضوابطها، ضمن أنظمتها الأساسية؛ هذا وبالإظافة الى اشتغال أو التحاق هؤلاء المتدرجات والمتدرجون بخلايا الدوائر ومكاتب الفروع والمكاتب الإقليمية، التي تكتسي الصبغة الأفقية الإنتخابية، عوض الصبغة العمودية التنظيمية، كونها آلية حزبية أخرى مرافقة، دورها المنوط هو تدبير مرامي الحكم، إما ضمن مجالها الترابي القريب (الانتخابات الجماعية والغرف المهنية) أو البعيد (الانتخابات التشريعية)، لتعطى فرصة الترشح لخريجات وخريجي أكاديمية الحزب، أي التنظيمات والهيئات التي سبق ذكرها، ليمارسن ويمارسوا ما تعلموه صلة بتسيير وتدبير شؤون البلاد بكل مصداقية وأمانة. الأمر الذي بدى معتادا الى أن ظهر النظام الجديد، نظامٌ أعتبره شخصيا بئيسا، نظام اللائحة 97، نظام صاحب (الشكارة)، نظامٌ ضرب مدرسة الحزب عرض الحائط، وأعطى فرصة من ذهب للدخلاء؛ فمنهم من تقاطعت أفكاره وأخلاقه وقيمه مع مثيلاتها، التي وُجدت سلفا في حزب الاستقلال، ومنهم من دخلوا بنيات مبيتة، لتصيبهم لعنة الحزب، فيخرجوا منه يجرون أذيال الخيبة، متأبطين شرهم، وِجهتهم المراتع التي تليق بهم وبأمثالهم، لتعود الأجواء الى صفائها ويعود حزب الاستقلال الى رونقه وبهائه، وصحته وعافيته.
إن الغاية الفضلى لنزار بركة، من خلال حركته، ليست استمرار اسم دون دون آخر، أو استحواذ عائلة دون أخرى، وإنما الغاية هي ضمان انتعاشة ووهج حزب الاستقلال ودوام امتداده بما يرضي الله ثم الوطن والملك.
أقول قولي هذا، واختتمه بذكره سبحانه وتعالى على لسان زكريا، دعاءٌ في القرآن الكريم في سورة الأنبياء، الآية (89)، حيث قال تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾.وقد دعا نبي الله زكريا ربه بهذا الدعاء، طالبا الذرية الصالحة، والوارث الذي يحمل رسالة الأنبياء من بعده، فاستجاب الله له ووهب له ابنه يحيى عليه السلام؛ فاستمرت عائلة زكريا واستمر الإسلام.