المغرب يستأنف استيراد القمح في شتنبر المقبل لدعم المخزون الوطني
يستعد المغرب، ابتداء من منتصف شهر شتنبر المقبل، للعودة إلى استيراد القمح من الأسواق الدولية، بعد أسابيع قليلة فقط من تعليق هذه العملية، في خطوة تكشف مجدداً هشاشة منظومة الأمن الغذائي الوطني، وتطرح أسئلة عريضة حول قدرة الحكومة على تأمين مخزون استراتيجي كاف من الحبوب، خصوصاً القمح اللين الذي يشكل جزءاً أساسياً من الاستهلاك اليومي للمغاربة.
ويأتي قرار استئناف الاستيراد في نهاية الولاية الحكومية، بعدما تعذر تحقيق أهداف التخزين التي كانت السلطات تراهن عليها خلال شهري يونيو ويوليوز الماضيين، وهو ما يجعل ملف الحبوب واحداً من أبرز الملفات التي تكشف حدود السياسات العمومية في تدبير الأمن الغذائي، خصوصاً بعد سنوات متتالية من الجفاف والتقلبات المناخية التي أثرت بشكل مباشر على الإنتاج الفلاحي.
وبحسب المعطيات المهنية، فإن استيراد القمح سيستأنف ابتداء من السادس عشر من شتنبر المقبل، بهدف تلبية حاجيات السوق الوطنية والحفاظ على مستويات آمنة من المخزون. غير أن اللجوء إلى الأسواق الخارجية لا يمثل، في هذه الحالة، مجرد إجراء تقني لتغطية الخصاص، بل يعكس عجزاً عن بلوغ المخزون الذي كان مخططاً له من الإنتاج الوطني.
ويؤكد المهنيون أن صعوبة الوضع ترتبط أيضاً بإحجام عدد من الفلاحين عن بيع جزء مهم من محاصيلهم، مفضلين الاحتفاظ بها تحسباً للموسم المقبل، في ظل استمرار آثار سنوات الجفاف وتراجع الثقة في قدرة السوق على ضمان الاستقرار. ورغم أن هذا السلوك مفهوم من الناحية الاقتصادية بالنسبة للمنتجين، فإنه يزيد من الضغط على المطاحن والتجار ويجعل السوق الوطنية أكثر ارتباطاً بتقلبات الأسواق الدولية.
وتكشف الأرقام حجم التحدي؛ إذ تمكنت المطاحن من تأمين نحو ستة ملايين قنطار فقط من القمح، وهي كمية لا تتجاوز ما بين 10 و12 في المائة من حاجياتها. وفي المقابل، تبلغ حاجيات المطاحن قرابة 50 مليون قنطار، ما يعني أن حوالي 44 مليون قنطار إضافية ستكون ضرورية لتغطية الطلب، وهي الكمية التي سيكون على المغرب تدبيرها عبر الاستيراد.
هذه المعطيات تضع الحكومة أمام حصيلة صعبة في واحد من أكثر الملفات ارتباطاً بالأمن الغذائي للمغاربة. فبعد تعليق الاستيراد مطلع يونيو، كان الرهان يتمثل في الاستفادة من الإنتاج الوطني وتعزيز المخزون المحلي، لكن ضعف الإقبال على البيع وعدم بلوغ الكميات المستهدفة أعادا المغرب إلى نقطة الاستيراد من جديد.
ولا تتوقف التحديات عند توفير القمح في الأسواق العالمية، إذ يؤكد المهنيون أن المادة متوفرة حالياً بكثرة على المستوى الدولي، لكن الإشكال يكمن أساساً في تكاليف النقل والشحن البحري، التي ارتفعت بفعل الاضطرابات الجيوسياسية. ومن المنتظر أن يتجاوز سعر القنطار الواحد عند وصوله إلى الموانئ المغربية 270 درهماً، ما يفتح الباب أمام نقاش جديد حول كلفة الاستيراد وانعكاساتها المحتملة على السوق الوطنية.
ويعيد هذا الوضع إلى الواجهة سؤالاً أساسياً: هل نجحت الحكومة في بناء مخزون استراتيجي قادر على حماية السوق الوطنية من تقلبات الإنتاج المحلي والأسواق الدولية، أم أن تدبير ملف القمح ظل رهيناً بالظرفية المناخية والأسعار العالمية؟
فالأمن الغذائي لا يقاس فقط بقدرة الدولة على شراء القمح عندما يظهر الخصاص، وإنما بقدرتها على الاستباق وتكوين مخزونات كافية وتنويع مصادر التزويد وتقوية الإنتاج الوطني وحماية الفلاحين من مخاطر التقلبات المناخية والاقتصادية. أما العودة إلى الاستيراد بعد فترة قصيرة من تعليقه، فتشير إلى أن الاختلالات البنيوية في منظومة الحبوب ما تزال قائمة.
وفي الوقت الذي تقترب فيه الولاية الحكومية من نهايتها، يفرض ملف القمح نفسه كاختبار سياسي واقتصادي للحكومة، خصوصاً أن الخبز والحبوب يرتبطان مباشرة بالقدرة الشرائية والاستقرار الاجتماعي. فكل ارتفاع في كلفة الاستيراد أو اضطراب في سلاسل التوريد يمكن أن يتحول إلى ضغط إضافي على الأسعار وعلى ميزانية الدولة.
المطلوب اليوم لا يقتصر على تدبير المرحلة المقبلة عبر تأمين الكميات الضرورية من الخارج، بل يتطلب استخلاص الدروس من التجربة الحالية، ووضع سياسة أكثر صرامة واستباقية للأمن الغذائي، تقوم على تقوية الإنتاج الوطني، وتحسين التخزين، وتحفيز الفلاحين على تسويق جزء من محاصيلهم، وتطوير آليات للتعامل مع سنوات الجفاف، إلى جانب تنويع مصادر الاستيراد تفادياً لأي اضطراب خارجي.
وبينما تتجه الحكومة مجدداً إلى الأسواق العالمية لتأمين ما يقارب 44 مليون قنطار تحتاجها المطاحن، يبقى السؤال الأكبر مطروحاً حول حصيلة التدبير الحكومي لملف الأمن الغذائي: هل كانت هذه العودة إلى الاستيراد نتيجة ظرف استثنائي فرضته سنوات الجفاف، أم أنها تكشف فشل المقاربة المعتمدة في بناء مخزون وطني قادر على مواجهة الأزمات؟ وفي الحالتين، فإن نهاية الولاية الحكومية تجد نفسها أمام ملف حساس لا يمكن اختزاله في أرقام الاستيراد، لأنه يتعلق قبل كل شيء بأمن غذائي يمس حياة ملايين المغارب