زيادات مفاجئة في البنزين و الغازوال تعمق أزمة القدرة الشرائية
شهدت أسعار المحروقات بالمغرب، موجة جديدة من الارتفاع، بعدما قفز سعر الغازوال بحوالي 65 سنتيما للتر الواحد، ليلامس عتبة 15 درهما، في وقت سجلت فيه أسعار البنزين تراجعا بحوالي 30 سنتيما، ليستقر بدوره في حدود 15 درهما للتر. ارتفاع جديد يعيد إلى الواجهة الجدل المتواصل حول طريقة تحديد أسعار المحروقات، ويعمق حالة الغضب في صفوف المغاربة الذين باتوا يواجهون زيادات متكررة دون أن يجدوا تفسيرا مقنعا أو تدخلا حكوميا يضع حدا لما يعتبرونه فوضى في سوق المحروقات.
ويأتي هذا التغيير الجديد في الأسعار في سياق اعتماد شركات توزيع المحروقات تحيينات متتالية للأسعار، في بداية ومنتصف كل شهر، الأمر الذي جعل المواطن يعيش على إيقاع أسعار متقلبة يصعب معها توقع كلفة التنقل أو تدبير النفقات اليومية. والأكثر إثارة للقلق أن الزيادة الحالية تأتي بعد أقل من أسبوعين على زيادة سابقة اقتربت من درهم واحد في اللتر، ما يجعل التراكم السريع لهذه الزيادات عاملا إضافيا في استنزاف القدرة الشرائية للأسر المغربية.
وتطرح هذه التطورات سؤالا جوهريا حول حقيقة المنافسة داخل سوق المحروقات، وحول مدى قدرة المؤسسات المعنية على ضمان شفافية الأسعار وحماية المستهلك. فالمغاربة لا يتابعون فقط ارتفاع الأسعار، بل يتابعون أيضا ما يعتبرونه غيابا واضحا للقدرة الحكومية على التدخل عندما تصبح الزيادات متكررة ومؤثرة بشكل مباشر في حياتهم اليومية.
فالغازوال ليس مجرد مادة تستهلكها السيارات والشاحنات، بل يشكل عنصرا أساسيا في كلفة النقل والإنتاج والتوزيع. وكل ارتفاع في سعره ينعكس، بشكل مباشر أو غير مباشر، على أسعار الخضر والفواكه والمواد الغذائية والسلع والخدمات، فضلا عن كلفة التنقل اليومي بالنسبة للموظفين والعمال والمهنيين وأصحاب المقاولات الصغرى.
و أصبح سوق المحروقات واحدا من أكثر الملفات إثارة للجدل في المغرب، خصوصا منذ تحرير الأسعار، في ظل استمرار النقاش حول هوامش الربح ومستوى المنافسة ومدى انعكاس تغيرات الأسعار الدولية على الأسعار المطبقة في محطات الوقود. ومع كل موجة ارتفاع، يعود إلى الواجهة الحديث عن قوة لوبي المحروقات وقدرته على التأثير في السوق، مقابل شعور متزايد لدى المواطنين بأنهم الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.
ورغم أن شركات المحروقات تبرر تغير الأسعار عادة بتطورات السوق الدولية وتكاليف الاستيراد، فإن المواطن يطرح سؤالا بسيطا: لماذا تكون الزيادات سريعة ومتكررة، بينما لا يكون الانخفاض، عندما تتراجع الأسعار الدولية، بالوتيرة نفسها؟
هذا السؤال يعكس أزمة ثقة أكثر من كونه مجرد نقاش تقني حول الأسعار. فالمغربي يريد أن يعرف كيف يتم احتساب السعر النهائي للتر الغازوال، وما هي هوامش الربح، وما حجم الضرائب والرسوم، وما مقدار تأثير الأسعار العالمية وسعر صرف الدرهم وتكاليف النقل والتخزين والتوزيع.
وتزداد حدة هذا النقاش في ظل استمرار تداعيات غلاء المعيشة، بعدما أصبحت الأسر تخصص جزءا متزايدا من دخلها لتغطية تكاليف النقل والغذاء والسكن والخدمات. وبالنسبة إلى المهنيين، خصوصا سائقي سيارات الأجرة والنقل والشاحنات، فإن ارتفاع المحروقات يعني ارتفاعا مباشرا في كلفة النشاط، فيما يجد المستهلك نفسه في النهاية أمام انعكاسات إضافية على الأسعار.
وفي الوقت الذي تتكرر فيه المطالب بإجراءات حكومية عاجلة للحد من تأثير المحروقات على القدرة الشرائية، يبرز أيضا مطلب إعادة إحياء شركة «سامير» باعتبارها إحدى الآليات التي يرى أصحاب هذا الطرح أنها يمكن أن تساهم في تعزيز الأمن الطاقي وخلق هامش أكبر من المنافسة داخل السوق المغربية.
كما تتجدد الدعوات إلى مراجعة السياسة الضريبية المرتبطة بالمحروقات، بما يسمح بتخفيف العبء خلال فترات ارتفاع الأسعار العالمية، بدل ترك المواطن يواجه وحده نتائج تقلبات السوق.
إن استمرار هذا الوضع يضع الحكومة أمام مسؤولية سياسية واجتماعية واضحة، لأن حماية القدرة الشرائية لا يمكن أن تختزل في خطابات عامة أو إجراءات ظرفية، بينما تظل أسعار المحروقات رهينة موجات متتالية من الارتفاع.
المطلوب اليوم ليس فقط تفسير الزيادة الجديدة، وإنما الكشف بكل شفافية عن طريقة تشكيل السعر، وهوامش الربح، ومستوى المنافسة، ومدى احترام قواعد السوق. فاستمرار الغموض يغذي الاعتقاد بوجود اختلالات في السوق، ويزيد من حدة الغضب الشعبي تجاه ما يعتبره المغاربة فوضى في الأسعار وغيابا حكوميا فاضحا أمام نفوذ لوبي المحروقات.
وبينما تتواصل الزيادات، يبقى المواطن هو من يؤدي الفاتورة، سواء في محطة الوقود أو في السوق أو في وسائل النقل. ولذلك فإن معالجة ملف المحروقات لم تعد قضية اقتصادية تقنية فقط، بل أصبحت قضية مرتبطة مباشرة بالعدالة الاجتماعية والثقة في المؤسسات وقدرة الحكومة على حماية المواطنين من تداعيات غلاء المعيشة.