المنظومة التربوية المغربية: أزمة الكفايات والانحراف القيمي على ضوء التقييم المؤسساتي ومستلزمات التعبئة الوطنية

0

عبد العزيز السيدي

أستاذ مكون ورئيس مركز رؤى للأبحاث والدراسات والتكوينات في التربية والثقافة والتنمية.

مقدمة: أزمة المدرسة العمومية وسؤال المنهجية النقدية والتقييم المؤسساتي.

تشهد المنظومة التربوية والتعليمية المغربية مخاضاً عسيراً تعكسه مؤشرات تراجع جودة التعلمات وضعف تحصيل الكفايات الأساسية، فضلاً عن بروز مظاهر مقلقة من الانحراف القيمي وسلوكيات اللامعيارية داخل فضاء المؤسسات التعليمية. ولم يعد هذا الوضع مجرد أزمة ظرفية عابرة، بل تحول إلى إشكالية بنيوية تهدد التنمية المجتمعية وربط المسؤولية بالمحاسبة. يفرض هذا السياق اعتماد مقاربة أكاديمية ذات منهجية نقدية ترتكز على إقرار دستوري وتشريعي متقدم؛ فالفصل 146 من دستور 2011 يُكرس بوضوح مبادئ المقاربات التشاركية، وتقييم السياسات العمومية، وتفعيل آليات المحاسبة والمساءلة. وعليه، يصبح التقييم المؤسساتي مدخلاً لا محيد عنه لتقويم الاعوجاج، استناداً إلى المبدأ المعرفي القائل بأن حل المشاكل المستعصية يقتضي تجاوز العقلية التي أنتجتها، وهو ما يتطلب تخليق الفعل التربوي عبر إستراتيجيّة محكمة للتعبئة المجتمعية الشاملة لتجويد المدرسة العمومية.

أولاً: التقييم المؤسساتي مدخلاً تشخيصياً (قراءة في مقتضيات الباب التاسع من القانون الإطار 51.17)

يشكل التقييم المؤسساتي الركيزة الأساسية لربط المسؤولية بالمحاسبة وضمان جودة الخدمات التعليمية؛ فكما يذهب الفكر التربوي الحديث، فإن حتمية وصول النظام التربوي إلى أعلى جودة ممكنة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بوجود تقييم مستمر، باعتبار أن “منطق التقييم يتحكم في منطق الجودة”.

وفي هذا السياق، خصص القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي الباب التاسع (الممتد من المادة 53 إلى المادة 56) لتقييم المنظومة والإجراءات المواكبة لضمان الجودة، وتتجلى أهم مقتضياته في:

• المادة 53 – شمولية وموضوعية التقييم: تنص على إخضاع مختلف مكونات المنظومة (تعلمات، مناهج، ومردودية) لنظام خاص للتتبع والتقييم والمراجعة المنتظمة للتأكد من مدى بلوغ الأهداف المشار إليها في المادة 3.

• المادة 54 – ازدواجية التقييم (داخلي وخارجي): تؤكد على تكامل التقييم الداخلي الذي تنجزه السلطة الحكومية المعنية بكيفية دورية ومستمرة، مع التقييم الخارجي المستقل الذي يضطلع به المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي.

• المادة 55 و56 – مجالات التقييم ولجان التتبع: تحدد بدقة مجالات التقييم (تطور المردودية الداخلية والخارجية، الهندسة البيداغوجية، التحصيل الدراسي، أداء أجهزة الإدارة والتدبير، وحجم الإنفاق المالي مقارنة بالمخرجات)، مع إحداث لجان وزارية لتتبع النتائج واقتراح التدابير التصحيحية.

إلى جانب ذلك، تحتل التقارير المؤسساتية (كتقارير المجلس الأعلى للتربية والتكوين والمجلس الأعلى للحسابات) مكانة بارزة في تعريتهما للاختلالات الهيكلية، مؤكدة أن الإصلاح يظل حبراً على ورق ما لم يُبنَ على تشخيص صارم ومحايد.

ثانياً: أدوار المفتشية العامة وآليات الافتحاص التربوي والمؤسساتي

تضطلع المفتشية العامة لوزارة التربية الوطنية بدور محوري في الرقابة والتقييم الداخلي، وفق اختصاصاتها المؤطرة بمرسوم المفتشيات العامة للوزارات (رقم 2.11.112). وقد تطورت أدبياتها الميدانية لتتجاوز المنطق الكلاسيكي المرتكز على “المراقبة والزجر” نحو اعتماد ثقافة الافتحاص القائمة على المشورة والتنسيق المسبق.

وتشتغل لجان الافتحاص وفق منهجية علمية ترتكز على أدوات قياس دقيقة تشمل محاور كبرى: التنظيم الإداري، التنظيم التربوي وتأمين الزمن المدرسي، المردودية الداخلية، الديمقراطية التشاركية ومجالس المؤسسة، المشروع التربوي للمؤسسة، وتنظيم الفضاءات واستثمار التجهيزات. غير أن التقارير الرقابية العليا تُسجل باستمرار استمرار اختلالات بنيوية تتعلق بضعف الالتقائية، وصعوبات في تتبع ومواكبة الأداء المؤسساتي، وغياب التقييم الصارم للأثر الفعلي على مستوى مردودية التعلمات.

ثالثاً: إشكالية التجديد والتغيير: بين ثقافة “القطيعة” واستثمار “التراكم”

تقتضي المنهجية النقدية المساءلة الموضوعية لأسلوب تدبير الإصلاحات التربوية المتعاقبة؛ إذ غالباً ما تعاني المنظومة من هاجس الإفراط في الإدارة وغياب القيادة الاستراتيجية. وهنا تبرز تساؤلات مقلقة حول طبيعة التغيير المرتقب وجدواه الزمنية والمؤسساتية.

تاريخياً، اعتادت المنظومة على خيار “القطيعة” مع كل تعاقب إداري أو سياسي، حيث يبدأ كل مسؤول جديد من الصفر، مما يفوت على المنظومة فرصة استثمار التراكم وترصيد المكتسبات (كما حدث إبان تنزيل البرنامج الاستعجالي ومقاربات التدبير المتمحور حول النتائج)، ويؤدي بالتالي إلى تبديد الموارد المالية والمادية وتضييع الجهد والوقت. كما يطرح التمويل والاختيارات المالية تحدياً بنيوياً ينبغي توضيح معالمه بدقة لتجنب التعثرات السابقة.

رابعاً: مظاهر الأزمة: تردي الكفايات وأزمة القيم السلوكية

تكشف التقارير الميدانية والمقاربة النقدية عن تجليات حادة للأزمة تتحدد في مستويين متلازمين:

• أزمة العجز الكفاياتي: يتجلى في الضعف الملحوظ لمستويات المتعلمين في التعلمات الأساس (القراءة، الكتابة، الرياضيات، والعلوم)، وهو ما تؤكده التقارير الوطنية والدولية (مثل PNEA, TIMSS, PIRLS) التي تبرز وجود فجوات عميقة في التحصيل الدراسي، مما يكرس الهشاشة التعليمية ويهدد بتعميق الفوارق الاجتماعية.

• أزمة التربية على القيم والمواطنة: يعاني فضاء المؤسسات التعليمية من مظاهر سلبية مقلقة تشمل العنف المدرسي، الغش، الانحرافات السلوكية، وتخريب الممتلكات العامة. ورغم أن المشروع الإصلاحي الجديد جعل من “تخليق المدرسة” هدفاً أسمى، إلا أنه افتقر أحياناً إلى التدقيق الكافي في مواصفات مدرسة القيم التي تتحول فيها المواطنة من مستوى التحسيس والنظريات إلى مستوى الأجرأة والتملك الفعلي داخل الفضاء الصفي والمجتمعي.

خامساً: المدخل الثقافي رافعةً استراتيجية لبناء “المدرسة الجديدة”

إن تجاوز أزمة المنظومة التربوية بجميع أبعادها الكفاياتية والقيمية يستوجب استحضار “المدخل الثقافي” باعتباره الركيزة الاستراتيجية العميقة التي تمكن المدرسة من الاضطلاع بوظائفها الحيوية في إنتاج المعرفة ونقل الثقافة وتجديدها المستمر. وتتحدد معالم هذا المدخل في أبعاد أساسية تكمل مسار الإصلاح المؤسساتي والتربوي:

1. تجديد المناهج والمقاربات البيداغوجية: تحيين المناهج والبرامج الدراسية لتواكب التحولات المجتمعية والعالمية، مع إدماج الأبعاد الثقافية والعلمية والتكنولوجية لضمان تكوين متوازن يزاوج بين التشبث بالأصالة والانفتاح على الكونية.

2. تأصيل القيم والمواطنة: تعزيز الهوية الوطنية في أبعادها المتعددة والمتفتحة، عبر ترسيخ قيم المواطنة، والتسامح، والعيش المشترك في صلب الممارسات الصفية والأنشطة المندمجة.

3. حفز البحث العلمي والإبداع: ترسيخ “ثقافة البحث” ومناهج التفكير النقدي لدى الناشئة والمدرسين، لتحويل المدرسة من مجرد فضاء مستهلك للمعرفَة إلى مختبر حقيقي لإنتاج الثقافة والفكر الخلاق.

سادساً: نحو تعبئة وطنية مستدامة لتجويد خدمات المدرسة العمومية بروح الأنسنة

إن مخرج هذه الأزمة لا يتحقق بالمقاربات الإدارية المجرّدة وحدها، بل يستوجب تعاقداً مجتمعياً جديداً يستحضر “الأنسنة” في جوهر الفعل التربوي، ويقوم على الأسس الآتية:

• تفعيل مشروع المؤسسة المندمج: باعتباره الآلية الأساسية لأجرأة السياسات التربوية ميدانياً، وتمكين المؤسسات التعليمية من هامش الاستقلالية والتدبير الناجع القائم على المقاربة التشاركية والانفتاح على المحيط.

• أفق زمن الإصلاح: إدراك أن زمن الإصلاح التربوي الحقيقي لا يتماهى مع الزمن المدرسي أو السياسي الحكومي، بل يمتد في أفق استشرافي بعيد المدى (رؤية 2030)، مع تجويد الخدمات الاجتماعية والدعم التربوي ومحاربة الهدر المدرسي.

خاتمة

إن إنقاذ المدرسة العمومية المغربية وإعادة الاعتبار لوظيفتها الكونية والأخلاقية والثقافية ليس خياراً قطاعياً عابراً، بل هو رافعة أساسية لتحقيق المشروع المجتمعي التنموي المنشود. وحين تتكامل صرامة الآليات المؤسساتية للتقييم والافتحاص مع عمق المدخل الثقافي ووعي جماعي يتجاوز منطق القطيعة لصالح ترصيد التراكمات، وبروح الأنسنة والمسؤولية، يصبح ممكناً استعادة ثقة المواطن في المدرسة العمومية كقاطرة حقيقية للارتقاء الفردي والجماعي وبناء “المدرسة الجديدة”؛ مدرسة الإنصاف والجودة والقيم والانفتاح وتأهيل الموارد والحكامة التدبيرية والتقييم المؤسساتي .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.