المال يهدد الانتخابات التشريعية
بدأ المال السياسي يفرض نفسه كواحد من أكثر الملفات إثارة للجدل في المشهد الحزبي المغربي، بعدما ارتفعت أصوات من صفوف المعارضة محذرة من أن تتحول الاستحقاقات المقبلة إلى مجال لتغليب النفوذ المالي والمصالح الاقتصادية على البرامج السياسية والاختيارات الديمقراطية.
وحذّر حزب التقدم والاشتراكية، بوضوح، من تنامي ما وصفه بـ«الممارسات السياسوية المشينة والأساليب غير المشروعة» داخل الفضاء الانتخابي، واضعاً استعمال المال والإغراءات الانتخابية في صلب المخاوف المرتبطة بنزاهة الاستحقاقات المقبلة. واعتبر الحزب أن التنافس الانتخابي ينبغي أن يقوم على البرامج والتصورات، بعيداً عن المال والفساد وشراء الولاءات.
ويأتي هذا التحذير في سياق سياسي تتزايد فيه المخاوف من أن تتحول الانتخابات إلى ساحة لتنافس شبكات المصالح والأعيان وأصحاب الإمكانيات المالية، خصوصاً مع اقتراب موعد الاقتراع وتكثيف الأحزاب تحركاتها لاستقطاب المرشحين والناخبين.
ولم يخف حزب «الكتاب» قلقه من تأثير هذه الممارسات على صورة العملية الديمقراطية، معتبراً أن الإغراءات والأساليب غير المشروعة قد تدفع المواطنين إلى الاعتقاد بأن نتائج الانتخابات محسومة سلفاً، وهو ما من شأنه تعميق العزوف الانتخابي وتوسيع فجوة الثقة بين الناخب والمؤسسات.
ويذهب خطاب المعارضة أبعد من مجرد التحذير من استعمال المال في الحملات الانتخابية، إذ يضع الظاهرة في إطار أوسع يرتبط بتداخل النفوذ السياسي والاقتصادي، وبقدرة بعض أصحاب المصالح على تحويل الإمكانيات المالية إلى قوة انتخابية ثم إلى نفوذ داخل المؤسسات.
وفي هذا السياق، جاءت تصريحات قيادي بارز في حزب العدالة والتنمية، اتسمت بحدة غير مسبوقة في مهاجمة ما يعتبره محاولة لإعادة إنتاج موازين القوى نفسها التي أفرزتها انتخابات 2021. فقد اعتبر أن المغرب يتجه نحو مأزق سياسي بسبب ما وصفه بإفساد الحياة السياسية وتزوير الإرادة الشعبية، مؤكداً أن «التصحيح» سيأتي، حسب تقديره، من المجتمع ومن التعبيرات الشعبية عبر صناديق الاقتراع.
ولم يتوقف الخطاب عند حدود انتقاد الحكومة، بل انتقل إلى مهاجمة بعض رموز الأغلبية، وفي مقدمتهم رشيد الطالبي العلمي وفوزي لقجع، حيث اعتبرهما نموذجين لما وصفه بسياسة «السخرة للاستبداد والافتراس»، كما وصف حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة بأنهما، في تقديره، «وجهان لعملة واحدة».
وتعكس هذه التصريحات انتقال المواجهة السياسية إلى مستوى أكثر مباشرة، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات. فالمعارضة لا تضع المال الانتخابي بمعزل عن طبيعة التحالفات وموازين القوة داخل الأغلبية، بل تربطه بما تعتبره محاولة للتحكم في مخرجات الاستحقاقات المقبلة وإعادة إنتاج الخريطة السياسية نفسها.
ويحذر الخطاب المعارض من أن يصبح المال وسيلة لصناعة المرشح قبل أن يكون المرشح ممثلاً لإرادة الناخبين، ومن أن تتحول المنافسة بين الأحزاب من صراع حول البرامج إلى سباق حول القدرة على الإنفاق والاستقطاب وتعبئة شبكات النفوذ.
وفي هذا الصدد، يرى حزب التقدم والاشتراكية أن «تجار الانتخابات» يشكلون، حسب تعبيره، الوجه الآخر لـ«فراقشية الفضاء الاقتصادي»، في إشارة إلى ما يعتبره الحزب تقاطعاً بين المال والنفوذ السياسي والمصالح الاقتصادية.
وتزداد حدة هذا النقاش مع دخول الأحزاب مرحلة إعداد لوائح الترشيحات واستقطاب الأسماء القادرة على المنافسة في الدوائر الانتخابية، حيث يبرز مجدداً سؤال «المرشح القوي»: هل يتعلق الأمر بمرشح يمتلك مشروعاً سياسياً وشعبية انتخابية، أم بمرشح قادر على تعبئة الموارد المالية والشبكات الانتخابية؟
وتعتبر المعارضة أن الإجابة عن هذا السؤال ستكون حاسمة في تحديد طبيعة الانتخابات المقبلة. فإذا أصبح المال هو العامل الأكثر تأثيراً في تحديد المرشحين والنتائج، فإن ذلك، بحسب خطابها، لن يغير فقط تركيبة المؤسسات المنتخبة، بل سيؤثر في الثقة السياسية وفي معنى المشاركة الانتخابية نفسها.
كما يربط الخطاب المعارض بين المال السياسي وما يسميه «الريع» و«تضارب المصالح»، محذراً من أن تتحول العملية الانتخابية إلى حلقة ضمن منظومة أوسع تجمع بين النفوذ الاقتصادي والقرار السياسي. وهي انتقادات يوجهها التقدم والاشتراكية للحكومة الحالية، متّهماً إياها بالتطبيع مع الفساد والريع وخدمة مصالح لوبيات اقتصادية على حساب الفئات الاجتماعية المتوسطة والمستضعفة.
وفي المقابل، سيكون التحدي الأكبر أمام المؤسسات والأحزاب هو ضمان أن تبقى صناديق الاقتراع وحدها صاحبة الكلمة الفصل، وأن يتمكن المواطن من اختيار مرشحه بعيداً عن الإغراء أو الضغط أو النفوذ المالي.
ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية في 23 شتنبر، يبدو أن معركة المال السياسي ستحتل مساحة واسعة من الخطاب الانتخابي، خصوصاً إذا واصلت أحزاب المعارضة رفع سقف التحذير من «تغول» المال وأصحاب المصالح. وفي النهاية، لن يكون الرهان فقط على من سيفوز بالمقاعد، بل على ما إذا كانت الانتخابات ستنجح في إعادة بناء الثقة وإقناع المواطن بأن صوته قادر فعلاً على تغيير موازين القوى، بعيداً عن نفوذ المال وشبكات المصالح.