منظمات حقوقية تحت أمام السفارة الإسبانية دعما للمهاجرين
تتواصل في المغرب ردود الفعل الحقوقية بشأن أوضاع المهاجرين وطالبي اللجوء في مدينة سبتة المحتلة، في ظل تقارير ومعطيات تتحدث عن تعرض عدد من المهاجرين لانتهاكات وأعمال عنف، فيما تتجه فعاليات حقوقية مغربية إلى تصعيد لهجتها تجاه السلطات الإسبانية، مطالبة بحماية حقوق الأشخاص في وضعية هشاشة وفتح تحقيقات مستقلة في الوقائع المبلغ عنها.
وفي هذا السياق، دعت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان إلى تنظيم وقفة احتجاجية، الأربعاء 2 شتنبر، أمام السفارة الإسبانية بالرباط، للتنديد بما وصفته بانتهاكات يتعرض لها مهاجرون غير نظاميين، وبأعمال عنف واعتداءات قالت إنها تنسب إلى بعض عناصر السلطات الإسبانية وجماعات متطرفة في سبتة.
وأعلنت العصبة، في بيان لها، أنها ستنظم في اليوم نفسه ندوة صحفية بمقرها المركزي في الرباط، لتقديم تقرير حقوقي حول أحداث الهجرة غير النظامية المرتبطة بسبتة ومليلية، يتضمن خلاصات عمليات الرصد والتوثيق والتقصي التي أنجزتها بشأن محاولات العبور، وما رافقها من وفيات وإصابات.
وأوضحت الهيئة الحقوقية أن التقرير سيتطرق أيضا إلى أوضاع القاصرين والنساء والمفقودين، فضلا عن بحث مسؤوليات مختلف الجهات المعنية بالحماية والإنقاذ والتحقيق والمساءلة، وذلك في محاولة لتسليط الضوء على الجوانب الإنسانية والقانونية للوقائع المرتبطة بموجات الهجرة نحو المدينتين المحتلتين.
وانتقدت العصبة ما اعتبرته تغاضيا عن اعتداءات تعرض لها مهاجرون، أو توفير غطاء سياسي لمرتكبيها، مطالبة بفتح تحقيقات مستقلة وشفافة في الانتهاكات التي قالت إنها وثقتها، مع تحديد المسؤوليات القانونية وضمان عدم الإفلات من العقاب.
وفي الاتجاه نفسه، راسلت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان سفير إسبانيا لدى الرباط، إنريكي أوخيدا، معربة عن قلقها إزاء أوضاع المهاجرين وطالبي اللجوء في سبتة، وما وصفته بانتهاكات تمس حقوقهم الأساسية وكرامتهم الإنسانية.
وقالت المنظمة إنها توصلت بمعطيات وشهادات تفيد بتعرض عدد من العابرين للمدينة لاعتداءات ذات طابع عنصري وأخرى جسدية، مشيرة، على الخصوص، إلى إحراق خيام كان يقيم فيها بعض المهاجرين، وعرقلة عمليات إغاثة إنسانية، فضلا عن منع وصول مساعدات غذائية وخدمات أساسية إلى عدد من الأشخاص.
واعتبرت الهيئة أن هذه الممارسات، في حال ثبوتها، تمثل انتهاكا خطيرا لمبادئ حقوق الإنسان وللالتزامات الدولية المرتبطة بحماية المهاجرين وطالبي اللجوء، مؤكدة أن احترام الكرامة الإنسانية وحماية الأشخاص الموجودين في وضعية هشاشة مسؤولية قانونية وأخلاقية لا ينبغي أن تخضع لأي تمييز.
وطالبت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان السلطات الإسبانية المختصة باتخاذ التدابير اللازمة لحماية المهاجرين من مختلف أشكال العنف والاعتداء، مع فتح تحقيق نزيه ومستقل بشأن الوقائع المبلغ عنها وترتيب الآثار القانونية في حق كل من تثبت مسؤوليته.
كما دعت إلى ضمان وصول المساعدات والخدمات الإنسانية إلى جميع المهاجرين دون عرقلة أو تمييز، وتمكين الهيئات الحقوقية والإنسانية المغربية المختصة من رصد وتتبع أوضاع المهاجرين في سبتة والوقوف على ظروفهم الإنسانية.
وتأتي هذه المطالب الحقوقية المغربية في وقت دخلت فيه قضية الهجرة نحو سبتة مرحلة جديدة من الجدل السياسي داخل إسبانيا، خصوصا بعد التصريحات التي أدلى بها رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، والتي نفى فيها وجود مؤشرات رسمية أو استخباراتية تثبت تورط المغرب في أزمة الاقتحام الجماعي لمدينة سبتة.
وقال سانشيز، في مقابلة مع إذاعة «سير»، إن السلطات الإسبانية لا تتوفر على معلومات تشير إلى مسؤولية المغرب عن الأزمة، مؤكدا في المقابل أن الرباط عرضت تعاونا فوريا على السلطات الإسبانية للمساعدة في احتواء الوضع.
وتكتسي هذه التصريحات أهمية خاصة بالنظر إلى الاتهامات التي وجهتها أحزاب من اليمين الإسباني، وفي مقدمتها الحزب الشعبي وحزب فوكس، إلى المغرب، حيث حاولت هذه الأطراف تحميل الرباط مسؤولية موجة العبور الجماعي نحو سبتة.
غير أن رئيس الحكومة الإسبانية رفض هذه الاتهامات، مشددا على عدم وجود معطيات رسمية تدعمها، ومؤكدا أن التعاون المغربي كان ضروريا في التعامل مع الأزمة.
وفي الوقت نفسه، تحدث سانشيز عن انتشار معلومات مضللة مرتبطة بملف الهجرة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، معتبرا أن بعض هذه الشبكات ترتبط بجهات خارجية، بينها روسيا وإسرائيل، إلى جانب جماعات دولية من اليمين المتطرف تستغل قضية الهجرة لمهاجمة إسبانيا والاتحاد الأوروبي.
وتأتي هذه التصريحات في سياق ما تزال فيه السلطات الإسبانية تحقق في ملابسات موجة العبور الجماعي إلى سبتة، وهي الأحداث التي خلفت، وفق المعطيات الواردة في التقارير المتداولة، عددا كبيرا من الضحايا، من بينهم 141 وفاة غرقا.
كما أعاد سانشيز إلى الواجهة قرار المحكمة العليا الإسبانية الصادر في يوليوز، والمتعلق بمنع الإعادة الفورية للمهاجرين الذين يصلون سباحة إلى سبتة ومليلية، معتبرا أن شبكات إجرامية قد تكون استفادت من المعطيات المرتبطة بهذا القرار.
ويضع هذا التطور الحكومة الإسبانية أمام ضغوط سياسية متزايدة، خصوصا مع اقتراب مثول رئيسها أمام البرلمان، في وقت تحاول فيه المعارضة تحويل ملف الهجرة إلى إحدى أبرز القضايا السياسية والأمنية.
وبينما ينفي رئيس الحكومة الإسبانية وجود أي دليل رسمي على تورط المغرب في أزمة سبتة، تتجه المنظمات الحقوقية المغربية إلى التركيز على الجانب الإنساني والقانوني للقضية، مطالبة بالتحقيق في الاعتداءات المبلغ عنها وضمان حماية المهاجرين وطالبي اللجوء.
وهكذا، تتقاطع الأزمة بين مسارين متوازيين؛ أولهما سياسي وأمني داخل إسبانيا، يرتبط بالهجرة وحماية الحدود والعلاقات مع المغرب، وثانيهما حقوقي وإنساني يركز على أوضاع المهاجرين، وخاصة القاصرين والنساء والأشخاص الموجودين في وضعية هشاشة.
وفي انتظار ما ستكشف عنه التحقيقات والتقارير الحقوقية، يبدو أن ملف سبتة سيظل حاضرا بقوة في النقاش المغربي الإسباني، خصوصا في ظل استمرار محاولات الهجرة غير النظامية، وتزايد الدعوات إلى اعتماد مقاربة توازن بين متطلبات حماية الحدود واحترام حقوق الإنسان والالتزامات الدولية.