الكازوال فوق 15 درهما يضغط على كلفة التوزيع و مناطق اللوجستيك

0

عاد ملف أسعار المحروقات في المغرب إلى واجهة النقاش الاقتصادي مع دخول شتنبر، بعدما سجل سعر الكازوال زيادة جديدة بـ6 سنتيمات للتر، في وقت ظل فيه سعر البنزين دون تغيير. ورغم أن الزيادة تبدو محدودة حسابياً، فإنها تأتي في سياق من التقلبات المتكررة خلال الأسابيع الأخيرة، ما يجعل المهنيين في النقل واللوجستيك أمام صعوبة متزايدة في ضبط تكاليفهم وهوامش أرباحهم.

وبحسب المعطيات المتداولة، أصبح سعر الكازوال يدور حول عتبة 15 درهماً للتر، مع اختلافات طفيفة بين المدن ومحطات التوزيع. وتزامنت الزيادة الأخيرة مع تراجع ملحوظ في أسعار النفط العالمية خلال الأسبوع الأخير من غشت، إذ أنهى خام برنت الأسبوع بخسارة تناهز 5.3 في المائة، فيما خسر خام غرب تكساس نحو 4.3 في المائة.

هذه المفارقة بين اتجاه الأسعار العالمية واتجاه الأسعار في السوق الوطنية تعيد إلى الواجهة سؤال كيفية احتساب أسعار المحروقات بالمغرب، خصوصاً بالنسبة للكازوال الذي يشكل أحد أهم مدخلات تكلفة النقل البري. وكان مجلس المنافسة قد أشار في تحليلات سابقة إلى أن انتقال تغيرات الأسعار الدولية إلى السوق الوطنية يتم بشكل تدريجي وغير متماثل بين الكازوال والبنزين، مع تأثير عوامل أخرى مثل تكاليف الاستيراد والتخزين والتوزيع والضرائب وهوامش المتدخلين.

وتتجاوز تداعيات هذه التقلبات المستهلك الفردي لتصل مباشرة إلى سلاسل الإمداد. فالشاحنة التي تنقل المواد الغذائية أو المنتجات الصناعية بين المدن، وشاحنات التوزيع التي تغذي المتاجر والأسواق، وشركات النقل التي تؤمن عمليات الربط بين الموانئ والمناطق الصناعية، كلها تعتمد بدرجة كبيرة على الكازوال. وكل زيادة، ولو كانت محدودة في سعر اللتر، تتحول عند احتساب آلاف الكيلومترات ومئات أو آلاف اللترات إلى تكلفة إضافية يصعب على المقاولات امتصاصها لفترات طويلة.

المناطق اللوجستية الجديدة تواجه اختبار الكلفة.. هل تلتهم المحروقات مكاسب القرب من الأسواق؟

وتزداد أهمية هذا النقاش مع تسارع المغرب في تطوير بنيته التحتية اللوجستية، خصوصاً عبر إحداث مناطق لوجستية جديدة يفترض أن تساهم في تقليص مسافات النقل وتنظيم تدفقات السلع وخفض الكلفة الإجمالية لسلاسل التوريد. وتعمل الوكالة المغربية لتنمية الأنشطة اللوجستية على تطوير حوالي 500 هكتار من المناطق اللوجستية بمختلف جهات المملكة، ضمن هدف يصل إلى 750 هكتاراً في أفق 2028.

وفي جهة الدار البيضاء-سطات، تتقدم مشاريع مهيكلة من بينها المنطقة اللوجستية بأولاد صالح في النواصر، والمنصة اللوجستية والصناعية المندمجة بزناتة. كما تشكل المنطقتان طرفي محور لوجستي يمتد من زناتة إلى النواصر، ويراهن عليه لتحسين توزيع السلع وتنظيم التدفقات وتقليص العجز في العقار اللوجستي.

وتكتسي هذه المشاريع أهمية خاصة بالنسبة للدار البيضاء باعتبارها القلب الصناعي والتجاري للمملكة، غير أن ارتفاع كلفة المحروقات يطرح تحدياً إضافياً أمام قدرتها على تحقيق الغاية الاقتصادية المنشودة منها. فالقرب من منطقة لوجستية حديثة لا يعني بالضرورة انخفاض التكلفة إذا ظلت كلفة الرحلات اليومية، والتوزيع الأخير، ونقل البضائع بين المستودعات والموانئ والمناطق الصناعية، مرتبطة بشكل كبير بسعر الكازوال.

وتبرز هنا مفارقة اقتصادية تستحق النقاش: الدولة تستثمر في مناطق لوجستية حديثة بهدف عقلنة حركة البضائع وتقليص المسافات وتحسين التنافسية، في حين يمكن لتقلب أسعار المحروقات أن يلتهم جزءاً من المكاسب المحققة عبر البنية التحتية. فالمقاولة اللوجستية لا تدفع فقط ثمن الأرض أو المستودع أو اليد العاملة، وإنما تتحمل أيضاً تكاليف الأسطول والصيانة والتأمين والطاقة، فضلاً عن الوقت الضائع في الازدحام والانتظار.

وتشير المعطيات الرسمية إلى أن جهة الدار البيضاء-سطات تتوفر على أكثر من 350 هكتاراً من المناطق اللوجستية قيد الإنجاز، في إطار توجه يرمي إلى تعزيز الاتصال والبنية التحتية وتحسين تنافسية المنطقة. كما أن مشروع أولاد صالح، الذي يمتد على 70 هكتاراً، يأتي ضمن الاستثمارات العمومية الرامية إلى توفير عقار لوجستي منظم وتحفيز استثمارات خاصة جديدة.

غير أن نجاح هذه المشاريع لن يقاس فقط بعدد الهكتارات أو المستودعات التي ستدخل الخدمة، بل بقدرتها الفعلية على خفض الكلفة النهائية لنقل وتوزيع السلع. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة متكاملة لا تفصل بين التخطيط العمراني واللوجستيك وسياسة النقل والطاقة، لأن ارتفاع سعر الكازوال ينعكس في النهاية على أسعار المنتجات والخدمات وعلى القدرة التنافسية للمقاولات المغربية.

كما أن الشركات الصغرى والمتوسطة تبدو الأكثر عرضة لهذه الضغوط، لكون قدرتها على التفاوض مع الزبناء أو امتصاص ارتفاع التكاليف محدودة مقارنة بالمجموعات الكبرى. ولهذا أطلقت السلطات برنامج جديد للفترة 2025-2029، بهدف دعم تنافسية المقاولات اللوجستية ومواكبتها تقنياً ومالياً، إلى جانب تشجيع التحول الرقمي والاستدامة.

وفي ظل هذه المعطيات، لم تعد قضية المحروقات مجرد نقاش حول ثمن اللتر في محطة الوقود، بل أصبحت جزءاً من معادلة التنافسية الوطنية. فاستقرار أسعار النقل شرط أساسي لاستقرار سلاسل التوريد، وأي اضطراب متكرر في الكلفة يضعف قدرة المقاولات على التخطيط والاستثمار ويضغط تدريجياً على أسعار السلع والخدمات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.