مؤسسة رسمية ترصد 44 حالة لتوظيف الدين في الانتخابات
كشف التقرير الأولي للمجلس الوطني لحقوق الإنسان عن معطيات رقمية لافتة بشأن سير الحملة الانتخابية الخاصة بانتخاب أعضاء مجلس النواب، مسجلا تنامي مظاهر توظيف الخطاب الديني والرموز المرتبطة به في التنافس السياسي، سواء في الفضاء الواقعي أو عبر المنصات الرقمية، في مشهد أعاد إلى الواجهة النقاش حول حدود استعمال المرجعية الدينية في الاستحقاقات الانتخابية ومدى تأثيرها على حرية اختيار الناخبين.
وبحسب المعطيات التي قدمها المجلس، فقد جرى رصد 44 حالة تضمنت توظيفا صريحا للرموز الدينية خلال الحملة الانتخابية، إلى جانب تسجيل 6 حالات لأنشطة انتخابية داخل أماكن العبادة، وهي مؤشرات اعتبرها متابعون ذات دلالة بالنظر إلى حساسية المجال الديني وضرورة تحييده عن التنافس الحزبي.
أما على المستوى الرقمي، فقد عاين فريق الرصد أكثر من 2030 محتوى مرتبطا باستعمال الدين في الخطاب الانتخابي، توزعت بين فيديوهات ومنشورات ورسائل رقمية تضمنت، وفق التقرير، اتهامات لأحزاب سياسية بأنها “ضد الإسلام” أو “تحارب الدين”، فيما ذهبت مضامين أخرى إلى ربط التصويت لبعض الأحزاب بمفاهيم دينية أو أخلاقية، وإلى تقديم الاختيار الانتخابي باعتباره معيارا للمحاسبة أمام الله.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الفضاء الرقمي أصبح ساحة رئيسية لإعادة إنتاج الخطاب الديني في الحملات الانتخابية، خصوصا مع الانتشار الواسع لمقاطع الفيديو القصيرة والرسائل السريعة التي تصل إلى أعداد كبيرة من المواطنين في وقت وجيز، وهو ما يجعل تأثيرها أكبر مقارنة بالوسائل التقليدية.
كما سجل التقرير معطيات أخرى مرتبطة باستعمال الفضاءات الدينية، من بينها محتويات تفيد بتوزيع أموال داخل مسجد أو استخدام مكبرات الصوت التابعة لبعض المساجد للإعلان عن تجمعات انتخابية، فضلا عن تصوير مرشحين داخل زوايا وأماكن ذات رمزية روحية، إلى جانب دعوات للتصويت لأحزاب معينة باعتبارها “الأقل ضررا على الدين”.
ويرى متابعون أن هذه الممارسات تطرح تحديات مرتبطة بضمان تكافؤ الفرص بين المتنافسين واحترام القواعد المؤطرة للحملات الانتخابية، خاصة أن الاختيار الديمقراطي يفترض أن يبنى على البرامج والتصورات والمقترحات العملية، بعيدا عن أي تأثيرات ذات طبيعة دينية أو عاطفية قد تؤثر على إرادة الناخبين.
و سجل المجلس الوطني لحقوق الإنسان معطيات أخرى تخص سير الحملة الانتخابية، من بينها إشراك الأطفال في بعض المواكب والأنشطة الانتخابية، مع وجود حالات اعتبر أنها لا توفر شروط السلامة اللازمة، فضلا عن تداول ادعاءات مرتبطة باستعمال المال أو بعض برامج الدعم لاستمالة الناخبين، دون أن يتم التحقق ميدانيا من عدد منها.
وفي الجانب الأمني، أكد التقرير أن الحملة لم تشهد حوادث عنف واسعة النطاق، غير أنه تم تسجيل حالات توتر واشتباكات محدودة في بعض المناطق، خاصة بجهتي درعة تافيلالت وفاس مكناس، إضافة إلى رصد أعيرة نارية بمنطقة أخفنير واستعمال للشهب النارية بمدينة المرسى بجهة العيون الساقية الحمراء.
كما تم تسجيل حالات من العنف اللفظي ومحاولات للاعتداء بين مساعدي بعض المرشحين، لا سيما داخل بعض الأحياء الشعبية بجهة الدار البيضاء، ومن بينها دوائر بن مسيك وأنفا وسيدي بليوط، إلى جانب بعض الأسواق بالجماعات القروية.
وعلى مستوى الإنفاق الرقمي، قدم التقرير أرقاما تعكس الحضور القوي للإعلانات السياسية على شبكات التواصل الاجتماعي، إذ جرى إحصاء 538 إعلانا انتخابيا لسبعة أحزاب سياسية على منصة “ميتا”، خلال الفترة الممتدة من 31 غشت إلى 10 شتنبر. ووفق التقديرات الواردة في التقرير، فقد تراوح الإنفاق على هذه الإعلانات بين نحو 18 ألف دولار و370 ألف دولار و49 ألفا و870 دولارا أمريكيا بحسب الأحزاب والصفحات المعنية.
كما تفاوت عدد الإعلانات بين إعلان واحد بالنسبة لبعض الأحزاب و216 إعلانا بالنسبة للأكثر نشاطا على المنصة، ما يعكس التحول المتزايد للحملات الانتخابية نحو الفضاء الرقمي، الذي أصبح مجالا أساسيا للتنافس السياسي والتأثير في الرأي العام.
وتبرز هذه المؤشرات أن الانتخابات لم تعد تدار فقط في الساحات العمومية والتجمعات الميدانية، بل انتقلت بشكل كبير إلى العالم الرقمي، حيث تتقاطع الرسائل السياسية مع الخطابات الدينية والمضامين الدعائية والإعلانات الممولة، وهو ما يجعل من تتبع هذا الفضاء ورصد محتوياته تحديا أساسيا لضمان انتخابات تقوم على المنافسة البرامجية واحترام القواعد الديمقراطية، بعيدا عن كل أشكال الاستغلال الديني أو التأثير غير المشروع على اختيارات المواطنين.