النقابات تستعد لمواجهة الحكومة الجديدة
تتجه أنظار المركزيات النقابية الأكثر تمثيلية إلى ملامح الحكومة الجديدة، في انتظار اتضاح طبيعة الائتلاف الحكومي وبرنامجه الاجتماعي والاقتصادي، وذلك بعد انتخابات 23 شتنبر التي أفرزت تصدر حزب الأصالة والمعاصرة للمشهد البرلماني. وبينما اختار الاتحاد المغربي للشغل التريث إلى حين تشكيل الحكومة وتقديم برنامجها أمام البرلمان، تستعد الكونفدرالية الديمقراطية للشغل لمواصلة الضغط من أجل معالجة عدد من الملفات الاجتماعية التي تعتبرها عالقة، وفي مقدمتها الأجور والقدرة الشرائية والتشغيل والحريات النقابية وتنفيذ التزامات الحوار الاجتماعي.
وتفضل النقابات، في هذه المرحلة الانتقالية، انتظار ظهور المخاطب الحكومي الجديد قبل تحديد طبيعة تعاملها مع المرحلة المقبلة، خصوصا أن الحكومة المرتقبة ستكون مطالبة بتحويل الوعود الانتخابية إلى إجراءات ملموسة، في ظل استمرار مطالب الطبقة العاملة المرتبطة بتحسين الدخل ومواجهة ارتفاع الأسعار وتعزيز الحماية الاجتماعية.
ويأتي هذا الانتظار في سياق اجتماعي يضع الحكومة المقبلة أمام ملفات متعددة، بعضها سبق أن كان موضوع اتفاقات والتزامات خلال جولات الحوار الاجتماعي، فيما ظلت ملفات أخرى مطروحة للنقاش دون أن تجد طريقها الكامل إلى التنفيذ. ولذلك، فإن النقابات تترقب مضامين البرنامج الحكومي لمعرفة مدى حضور المطالب الاجتماعية ضمن الأولويات الجديدة، وما إذا كانت الحكومة ستواصل الالتزامات السابقة أم ستطرح مقاربة جديدة للملف الاجتماعي.
الاتحاد المغربي للشغل اختار، وفق المعطيات المتداولة داخل هياكله، اعتماد ما يمكن وصفه بـ”التريث المنهجي”، في انتظار تشكيل الحكومة وتقديم برنامجها أمام البرلمان. وترى النقابة أن تحديد مواقفها يحتاج أولا إلى معرفة طبيعة التشكيلة الحكومية، والقطاعات التي ستتولى تدبير الملفات الاجتماعية، فضلا عن مضمون الالتزامات التي ستقدمها الحكومة لنيل ثقة البرلمان.
ويشمل هذا الانتظار ملفات أساسية بالنسبة إلى النقابة، من بينها الأجور والقدرة الشرائية والحماية الاجتماعية والحوار الاجتماعي وحقوق الطبقة العاملة. ومن المنتظر أن تشكل هذه القضايا عناصر أساسية في تحديد طبيعة العلاقة بين المركزيات النقابية والحكومة الجديدة، سواء عبر التفاوض والحوار أو من خلال مواقف نقابية مرتبطة بما ستعتبره النقابات مدى استجابة الحكومة لمطالب الشغيلة.
و تضع الكونفدرالية الديمقراطية للشغل الملف الاجتماعي في مقدمة انتظارات المرحلة المقبلة، مؤكدة استمرارها في الدفاع عن مطالب الطبقة العاملة، ومطالبة الحكومة الجديدة باحترام الالتزامات التي سبق أن تم التوصل إليها خلال جولات الحوار الاجتماعي.
ويبرز في مقدمة هذه المطالب الرفع من الحد الأدنى للأجور إلى 5000 درهم، وهو الوعد الذي حملته البرامج الانتخابية لعدد من الأحزاب، ما يجعل النقابات تنتظر مدى انتقال هذا الالتزام من الخطاب الانتخابي إلى قرار حكومي وإجراءات عملية. كما تطالب الكونفدرالية بتنفيذ مخرجات الحوارات الاجتماعية السابقة، باعتبارها التزامات لا ترتبط فقط بالحكومة التي وقعتها، وإنما يفترض أن تستمر مع تعاقب الحكومات.
ويشكل الحوار الاجتماعي بدوره أحد الملفات التي تراهن عليها النقابات خلال المرحلة المقبلة، مع الدعوة إلى الحفاظ على دورية انعقاد جولاته، خاصة جولتي أبريل وشتنبر، وتعزيز مكانة الحوار المركزي والقطاعي باعتباره آلية للتفاوض حول القضايا الاجتماعية والمهنية.
ولا تقتصر المطالب النقابية على الجانب المالي، إذ تتسع لتشمل التشغيل ومحاربة هشاشته، وتحسين شروط العمل، وتعزيز الحماية الاجتماعية، إضافة إلى الدفاع عن الحريات النقابية. وترى المركزيات النقابية أن معالجة هذه الملفات تتطلب سياسات متكاملة، خصوصا في ظل استمرار ارتفاع كلفة المعيشة والضغوط التي تواجه الأسر والعمال.
ومن المنتظر أن تكون القدرة الشرائية من أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين الحكومة الجديدة والنقابات، بعدما أصبحت الزيادات في الأسعار وانعكاساتها على الدخل محور اهتمام متواصل للطبقة العاملة. كما يظل التشغيل، ولا سيما التشغيل المستقر والحد من الهشاشة، ملفا مفتوحا أمام الحكومة المقبلة، في وقت تتطلع فيه النقابات إلى إجراءات عملية تتجاوز الوعود العامة.
وتترقب النقابات كذلك طبيعة المقاربة الحكومية للحريات النقابية والعلاقات المهنية، باعتبارها جزءا أساسيا من التوازن داخل سوق الشغل. وفي هذا السياق، تؤكد الكونفدرالية الديمقراطية للشغل أنها ستواصل طرح ملفها المطلبي والدفاع عنه عبر الحوار مع السلطة الحكومية، مع الاحتفاظ بإمكانية اتخاذ المواقف التي تراها مناسبة في حال عدم الاستجابة لمطالبها.
وبذلك، تبدو المرحلة المقبلة محكومة باختبار اجتماعي مبكر للحكومة الجديدة، إذ ستجد نفسها أمام مطالب نقابية متراكمة والتزامات سابقة وانتظارات مرتبطة بالأجور والقدرة الشرائية والتشغيل والحماية الاجتماعية. أما المركزيات النقابية، فتنتظر أولا تشكيل الحكومة والإفصاح عن برنامجها، قبل الانتقال إلى تقييم ما ستقدمه من أجوبة بشأن الملفات العالقة، لتحديد طبيعة المرحلة الجديدة من الحوار والتفاوض بين الحكومة والطبقة العاملة.