بين أرث الوصاية وتحديات المستقبل … هل يستعيد العراق سياسته وقراره الوطني المستقل؟
بقلم: يونس الكعبي
2 تشرين الأول 2026
في يوم السيادة العراقي ، لا تحضر المناسبة كحدث تقويمي مجرد للتغني بهذه الذكرى ، رغم اعتبار الدولة هذا اليوم يوم وطني وعطلة رسمية للأحتفال به رسمياََ وشعبياََ ، بل يتجلى هذا اليوم كوقفة نقدية جادة لمراجعة مسار طويل ومعقد من التحولات الجيوسياسية والداخلية التي أثرت بوضوح على مفهوم السيادة والقرار الوطني المستقل.
أن قراءة تحولات هذا المفهوم (السيادة الوطنية) في التاريخ العراقي يتطلب العودة إلى التاريخ والمحطات التي مر بها البلد وصولاََ إلى الواقع الحالي ، ومحاولة فهم كيفية الخروج من هذا المشهد المعقد الذي يمر به البلد وهو يحاول أستعادة قراره الوطني وبسط سيادته على كامل التراب الوطني ، واستعادة مكانته الدولية التي كان يتمتع بها.
بالعودة إلى الذاكرة السياسية العراقية المعاصرة ، وتحديداََ منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي عقب حرب الخليج الثانية التي تلت غزو العراق للكويت وما تلاها من تداعيات كبرى أفقدت العراق قراره الوطني وأبعدته عن المجتمع الدولي وتراجعت مكانته كثيرا في المحافل الدولية ، فقد شكل صدور سلسلة من القرارات الدولية الشديدة عن مجلس الأمن الدولي تحت الفصل السابع نقطة التحول الأساسية التي سلبت العراق قدرته على ممارسة حقه الطبيعي في أدارة شؤونه السياسية والأقتصادية. خضع البلد في حينها لحصار أقتصادي شامل ، وتحديد لنطاق حركة الطيران الجوي ، وآليات رقابة دولية صارمة شلت قدرته الأستثمارية والتنموية ، وأحالت أرادته السياسية إلى حالة من العزلة والأرتهان للشروط والمطالب الدولية المتشددة ، مما ساهم في تهديم هيبة الدولة وجعلها ساحة مفتوحة لتأثير الضغوط الغربية والأقليمية.
ولم تكن تحولات عام 2003 بسقوط النظام السابق وإلغاء مؤسسات الدولة السابقة سوى فصل جديد ، وربما أكثر تعقيداََ ، في مسلسل أستباحة القرار الوطني. فبدلاََ من أن تفضي التغيرات السياسية إلى ولادة دولة ذات سيادة كاملة ، دخل العراق في مرحلة النفوذ المباشر والتأثير المطلق للأرادة الأمريكية والهيمنة الأقليمية. وتكرست هذه الوضعية مع التأسيس لنظام المحاصصة الطائفية والحزبية ، حيث غدت الحكومات المتعاقبة تعطي الأولوية لضمان بقائها في السلطة والحفاظ على توازنات القوى الضيقة على حساب بناء الدولة ومفهوم المواطنة العام.
هذا الصراع المستميت على المكتسبات السياسية جعل من المؤسسات الوطنية كيانات مخترقة ، مما أتاح لمختلف القوى الخارجية والعديد من دول الجوار التدخل المباشر ليس فقط في القضايا الجيوستراتيجية الكبرى ، بل حتى في التفاصيل التنفيذية والأدارية والروتينية اليومية للدولة.
ومع تفاقم الأنقسامات الداخلية وأنتشار السلاح خارج أطار القانون ، تراجعت قدرة القرار السياسي والأقتصادي العراقي على التعبير عن المصلحة الوطنية العليا. وقد أسهمت أزمات أمنية متعاقبة ، وصولاََ إلى سيطرة الجماعات الأرهابية وما أعقبها من حروب أستنزافية ، في إبقاء البلاد تحت مظلة الأستعانة بالقوى الخارجية والتحالفات الدولية ، الأمر الذي أدى إلى تقليص المجال الذي يعمل فيه السياسي العراقي ، وجعل هذا التعقيد الأرادة الوطنية رهينة للمعادلات الدولية والأقليمية المتصارعة على الأرض العراقية ، حتى مع محاولات بعض القوى السياسية الخروج من هذه الشرنقة ، إلا أن جميع المحاولات باءت بالفشل.
واليوم يجد العراق نفسه أمام لحظة تاريخيّة فارقة يحاول فيها ترميم هيكل الدولة وأستعادة قراره الوطني ، بعد سنوات طويلة من التمزق الذي خلفته الطائفية والمحاصصة الحزبية التي ضحت بالسيادة الوطنية لقاء مكاسب فئوية ضيقة. غير أن هذه المحاولات تصطدم بأسئلة جوهرية حول مدى أمتلاك الطبقة السياسية للأرادة الحقيقية التي تؤهلها للخروج من هذا الأرتهان. أن النجاح في أستعادة الدولة والقرار المستقل يتطلب بالضرورة إحداث قطع تام لجميع آليات المحاصصة ، وحصر السلاح بيد الدولة ، وتفعيل مباديء سيادة القانون على الجميع دون أستثناء ، ووضع مصلحة العراق أولا كشعار يتبعه الجميع.
وعلى الصعيد الأقتصادي ، لا يمكن الحديث عن سيادة سياسية أيجابية دون وضع حد للتبعية الأقتصادية والمالية الشديدة للأسواق والقرارات الخارجية. فبناء أقتصاد متماسك ومتنوع يخرج البلاد من أسر الرهان على الموارد النفطية وحدها ، ويضمن أستقلالية القرار المالي والتنموي وتحديد الأولويات للمشاريع الاستثمارية الكبرى التي تخلق القاعدة الأقتصادية المتكاملة للعراق بعيداََ عن الضغوطات الخارجية وبما يحقق المصلحة الأقتصادية للبلد ويؤمن موارد يستطيع معها تحقيق الأكتفاء الذاتي وعدم الحاجة إلى الخارج في تدعيم أقتصاده وتوفير السلع والخدمات التي يحتاجها المجتمع ، وهذا يعد بدوره الركيزة الأساسية لأي سيادة حقيقية. كما يتوجب على العراق صياغة سياسة أقتصادية خارجية متوازنة تعتمد مبدأ المصالح المشتركة والأحترام المتبادل ، وتبتعد عن المحاور الدولية المتصارعة ، لتتحول أراضيه من ساحة تصفية للحسابات الأقليمية والدولية إلى جسر للتواصل والتكامل الأقتصادي والشراكات التجارية بين مختلف القوى الأقتصادية.
أن قدرة العراق على الخروج من نفق التبعية والأستقطاب تتوقف بالكامل على الخيار الذي ستتخذه القوى السياسية المتحكمة بالمشهد السياسي في العراق في المرحلة القادمة. فأما أن ترتقي هذه القوى إلى مستوى التحديات الوطنية وتعمل على أعادة بناء مؤسسات الدولة وتأكيد أستقلاليتها ، وأما أن يستمر خضوع البلاد لأرادات الخارج وطموحات الفئات السياسية التي قدمت مصالحها الفئوية والشخصية على حلم الدولة المستقلة. أن السيادة ليست شعاراََ يرفع في المناسبات ، ولا هي مظاهر احتفالية في الشوارع والساحات ، بل هي بناء متكامل وشامل يتطلب أرادة صلبة وتضحية بالحسابات الحزبية وعقداََ أجتماعياََ وسياسياََ جديداََ يضع العراق أولاََ وقبل كل شيء.
فاليوم الأول لخروج القوات الأجنبية من العراق يعتبر اليوم الأول لبناء الدولة الجديدة التي ستضع اللبنات الصحيحة لمستقبل أجيال هذا الشعب بعد أن فقد بوصلته الوطنية على مدى عقود من الزمن ، وهو بارقة أمل للأجيال القادمة أن المستقبل في العراق لازال يبشر بخير