أتحزم للواوي بحزام السبع … قراءة في دلالات المثل العراقي على لسان القائد العسكري الأمريكي.
بقلم: يونس الكعبي
5تشرين الأول 2026
تصاعد الأهتمام الشعبي والأعلامي بعمق الدلالات التراثية حين يُستشهد بالذاكرة العراقية وأمثالها الشعبية في أروقة المحافل السياسية والعسكرية الدولية ، وهي سابقة تحدث لأول مرة ، حيث اعتاد السياسيون والقادة في العالم على اقتباس كلمات وأمثال ومقولات من تاريخهم وشعوبهم ، ولكن في هذه المرة أختار قائد قوات التحالف الدولي في العراق مثل شعبي ضارب في العمق العراقي وله خصوصية عراقية شديدة من حيث الكلمات والمعنى ، وعلى حد علمي لايوجد مثل آخر في العالم بهذه المفردات والمعنى ، فتداول مثل شعبي عراقي أصيل مثل “أتحزم للواوي بحزام سبع” على لسان قائد التحالف الدولي (الأدميرال البحري ليام إم. هولين) خلال أحتفالية رسمية لم يكن مجرد أستعانة بطرفة لغوية لكسر الجمود ، بل شكل لحظة فارقة محملة برسائل أستراتيجية ودبلوماسية بالغة الدقة.
أن التفكيك اللغوي والثقافي لهذا المثل يوضح الفلسفة العميقة التي ينطوي عليها ف “الواوي” في الموروث الشعبي العراقي هو (ابن آوى) ، وهو رمز للخصم الماكر ، أو المتسلل اللئيم ، أو التهديد الخفي الذي قد يراه البعض صغيراََ أو غير ذي خطورة ظاهرية ، لكنه يعتمد على المراوغة والدهاء وأستغلال ثغرات الغفلة.
أما “السبع” في اللهجة العراقية فهو الأسد ، والذي يتجسد كرمز للقوة المطلقة ، والهيبة ، والشجاعة والمواجهة الحازمة. وبالتالي فأن عبارة (أتحزم للواوي بحزام سبع) تعني عدم الأستهانة بأي خطر مهما بدأ ضئيلاََ أو مراوغاََ ، وأخذ أعلى درجات الأستعداد والحيطة والحذر لمواجهة أضعف حالات التهديد وكأنك تخوض معركة ضد أسد جسور وليس أبن آوى.
ومن هذا المنطلق ، تتعدد المقاصد ودلالات المسؤول العسكري الأمريكي في أستخدام هذا المثل تحديداََ في تلك اللحظة المفصلية ؛ فمن الناحية العسكرية ، أراد القائد أيصال نصيحة وتنبيه حاسم للقوات المسلحة والقيادة العراقية بأن المرحلة القادمة تتطلب الحذر التام وعدم التراخي الأمني ، فالوضع القادم ربما يحمل مفاجآت غير محسوبة خصوصاََ مع أنسحاب القوات الأجنبية من العراق وتحديد نفوذ الفصائل المسلحة في العراق تحت بند حصر السلاح بيد الدولة ، فالتهديدات لم تعد تقتصر على مواجهة جيوش نظامية كبرى ، بل تتمثل في تنظيمات وخلايا أرهابية تعتمد أسلوب “الواوي” في الكر والفر والمناورة ، مما يستوجب مقابلة هذا المكر بيقظة وحزم تشبه التجهيز لمواجهة أسد.
في السياق التاريخي ، لم تكن هذه المرة الاولى التي أستخدم فيها هذا المثل العراقي ، فسابقاََ تم أستخدام نفس المثل من قبل سياسي عراقي بارز في حينه ، وتحديداََ نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة الأسبق الدكتور حسين الشهرستاني.
ففي كانون الاول من عام 2011 ، ومع أكتمال أنسحاب القوات الأمريكية من العراق وتسليم المهام الأمنية بالكامل للقوات العراقية ، عقدت الحكومة العراقية مؤتمرات صحفية وأحتفالات رسمية. وخلال مؤتمر صحفي رسمي خُصص للحديث عن جاهزية القوات العراقية ومستقبل البلاد بعد أنسحاب القوات الأمريكية ومستقبل البلاد ، سأل أحد الصحفيين الدكتور حسين الشهرستاني عن المخاوف من الخروقات الأمنية أو تهديد الجماعات الأرهابية وعودة تنظيم القاعدة بعد خروج الأمريكان.
أجاب الشهرستاني على هذا التساؤل بالمثل العراقي الشهير “نحن نتحزم للواوي بحزام السبع” ، أرادت الحكومة العراقية في وقتها إرسال رسالة طمأنة للشارع العراقي ورسالة تحدي للخصوم.
أما على الصعيد السياسي والدبلوماسي ، يعكس الأستشهاد بالمثل العراقي دراسة عميقة لأدوات التواصل الثقافي لدى الجانب الأمريكي ، إذ تظهر هذه الأقتباسات من الموروث الثقافي العراقي فهم المؤسسة العسكرية والأمنية الأمريكية للثقافة العراقية المحلية والمفردات التي تحرك الشارع والوجدان العراقي. كما تحمل الرسالة نوعاََ من أبراء الذمة الأستراتيجية ؛ حيث يشار ضمناََ الى أن التحالف والقوات الأمريكية قد أنجزت المرحلة الأساسية ، وأن الحفاظ على السيادة والمسؤولية الأمنية بات يقع كلياََ على عاتق العراقيين الذين وجب عليهم الأستعداد والتحزم الذاتي لحماية امنهم وبلدهم بنفسهم والأعتماد على القوات المسلحة العراقية في أداء هذه المهمة.
وهكذا ، تحول هذا المثل الشعبي في سياقه السياسي إلى أستراتيجية أمنية مختصرة ؛ جمعت بين الطرافة المقبولة لدى الحاضرين والرسالة التحذيرية الجادة ، لتؤكد أن دهاء السياسة والجاهزية العسكرية لا يستغنيان عن أستحضار الموروث الشعبي لصياغة تحذير صريح من مفاجآت المستقبل.