بسبب تحالفات الحكومة:بلوكاج مشاريع و ميزانيات بجماعات محلية

0

بدأت نتائج انتخابات 23 شتنبر 2026 السياسية تتسرب سريعاً إلى المؤسسات المنتخبة محلياً، حيث وجدت تحالفات تشكلت في مرحلة سابقة نفسها أمام واقع سياسي جديد، يعيد ترتيب مواقع الأحزاب والمنتخبين، ويضع عدداً من رؤساء المجالس أمام اختبارات صعبة للحفاظ على أغلبيتهم.

وتكشف التطورات التي تعرفها مجالس الجهات والجماعات خلال دورة أكتوبر أن مرحلة ما بعد الانتخابات التشريعية قد تكون مختلفة جذرياً عن المرحلة التي سبقتها. فالأغلبية التي كانت تبدو متماسكة على الورق أصبحت في عدد من الحالات قابلة للاهتزاز، بينما بدأت تظهر تحالفات جديدة تتجاوز أحياناً الحدود التقليدية بين الأغلبية والمعارضة.

وشكل ما وقع في مجلس جهة سوس ماسة، نموذج على هذا التحول. فقد أدى غياب 34 عضواً من أصل 57 إلى تأجيل الدورة العادية لشهر أكتوبر، بعدما لم يحضر سوى 18 عضواً، في مقاطعة وُصفت بأنها الأولى من نوعها منذ بداية الولاية الحالية. والأكثر دلالة أن المقاطعة لم تأت من المعارضة وحدها، بل شملت مكونات أساسية من الأغلبية التي تقود المجلس.

فالأصالة والمعاصرة والاستقلال، وهما حزبان مشاركان في التحالف الذي يدبر الجهة إلى جانب التجمع الوطني للأحرار، قاطعا الدورة، فيما التحق بهما فريق التقدم والاشتراكية وأعضاء من الأحرار، وفق المعطيات المتداولة. وهو ما جعل الخلاف يتجاوز ثنائية الأغلبية والمعارضة ليتحول إلى أزمة داخل الأغلبية نفسها.

واللافت أن هذا التحالف الثلاثي، الذي تشكل بعد انتخابات 2021 لتدبير عدد من المجالس المنتخبة، كان يقوم على صيغة لتقاسم رئاسة الجهات، حيث تولى كل حزب رئاسة أربع جهات. لكن المعادلة السياسية التي أفرزتها انتخابات 2026 أعادت فتح حسابات قديمة وجديدة، وجعلت استمرار التحالف المحلي مرتبطاً بمدى قدرته على التكيف مع الخريطة السياسية الجديدة.

وفي سوس ماسة تحديداً، لم يكن الخلاف مرتبطاً فقط بالاصطفاف السياسي، وإنما طال طريقة إعداد جدول الأعمال ومدى إشراك مكونات المكتب في صياغته. وهي نقطة تحمل دلالة سياسية كبيرة، لأن جدول الأعمال في المجالس المنتخبة ليس مجرد وثيقة تقنية، بل هو تعبير عن أولويات الأغلبية وطريقة ممارسة السلطة داخل المؤسسة.

ومن هنا يمكن فهم المقاطعة باعتبارها رسالة سياسية أكثر من كونها مجرد اعتراض إجرائي. فعندما يمتنع أعضاء عن حضور دورة تتضمن ملفات استثمارية واتفاقيات ومشروع ميزانية، فإنهم يوجهون إشارة إلى رئيس المجلس مفادها أن امتلاك الرئاسة لا يعني بالضرورة امتلاك الأغلبية السياسية القادرة على تمرير القرارات.

وتزداد أهمية هذه المعادلة بالنظر إلى طبيعة الملفات المدرجة في دورة سوس ماسة، والتي تشمل مشاريع مرتبطة بالرقمنة والذكاء الترابي والاستثمار والسياحة والرياضة، إلى جانب مشروع ميزانية 2027 وإعادة برمجة اعتمادات السنة المالية 2026.

وبالتالي، فإن المعركة ليست فقط حول من يحضر ومن يغيب، وإنما حول من يمتلك القرار في مرحلة يفترض أن تكون فيها المجالس بصدد تنزيل برامج تنموية والتزامات مالية تحتاج إلى استقرار سياسي وتوافق بين مكونات الأغلبية.

و ظهرت ظاهرة إعادة تشكيل التحالفات لا تبدو محصورة في سوس ماسة. ففي جماعة بني يخلف بالمحمدية، تأتي دورة أكتوبر في أجواء سياسية مشحونة، خصوصاً أن جدول أعمالها يتضمن مشروع ميزانية 2027، في وقت أصبحت فيه العلاقات بين عدد من المستشارين أكثر توتراً بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة.

و ظهر الوجه الآخر للأزمة، حيث تعد الخلافات السياسية تدور بالضرورة بين حزب الرئيس والمعارضة، بل بدأت تنتقل إلى داخل الأحزاب والمجموعات التي كانت تشكل الأغلبية نفسها. فالانتخابات التشريعية أعادت إنتاج طموحات جديدة لدى بعض المنتخبين، ودفعت آخرين إلى إعادة النظر في مواقعهم وتحالفاتهم، بما يجعل التصويت على الميزانية اختباراً حقيقياً للأغلبية وليس مجرد إجراء مالي سنوي.

وهذا النوع من الصراع قد يكون أكثر خطورة من المعارضة التقليدية، لأن الرئيس يستطيع التعامل سياسياً مع معارضة معلنة، لكنه يجد صعوبة أكبر عندما يصبح الخلاف داخل الفريق الذي يفترض أن يوفر له الأغلبية اللازمة لتدبير المجلس.

وفي طنجة، اتخذ المشهد بعداً مختلفاً، بعدما صادق مجلس الجماعة على مشروع ميزانية 2027 بمداخيل متوقعة تناهز 1.242 مليار درهم، في ظرف سياسي وقضائي استثنائي مرتبط بوضع رئيس الجماعة منير الليموري رهن الاعتقال الاحتياطي. وهنا تبرز قدرة المؤسسات المنتخبة على الاستمرار في أداء وظائفها، حتى في ظل تعرض قياداتها السياسية لهزات قوية.

وتكشف هذه الحالات مجتمعة عن تحول مهم في السياسة المحلية التحالفات التي تأسست بعد انتخابات 2021 لم تعد بالضرورة هي التحالفات التي ستدبر ما تبقى من الولاية، فالمنتخبون لا يتحركون فقط وفق الانتماء الحزبي، وإنما وفق حسابات جديدة ترتبط بنتائج الانتخابات التشريعية، وموقع الحزب وطنياً، وموازين القوى داخل الإقليم أو الجهة، والاستحقاقات المقبلة.

وتجد الأحزاب نفسها أمام معادلة معقدة. فإذا كانت بحاجة إلى الحفاظ على تحالفاتها داخل المجالس لضمان الاستقرار، فهي في الوقت نفسه مطالبة بإعادة ترتيب مواقعها بعد الانتخابات التشريعية. وهذا قد ينتج عنه تناقض بين التحالفات الوطنية والتحالفات الترابية، خصوصاً عندما تتغير مواقع الأحزاب داخل البرلمان أو الحكومة.

و تحولت دورات أكتوبر إلى ما يشبه مختبراً سياسياً للتحالفات الجديدة. فالتصويت على الميزانيات، وانتخاب أعضاء المكاتب، وتشكيل اللجان، والمصادقة على الاتفاقيات، كلها محطات ستكشف تدريجياً عن الخريطة الجديدة للقوة داخل المجالس.

وبدى الوضع حول من من يوجد في الأغلبية ومن يوجد في المعارضة و من يستطيع أن يجمع الأغلبية في اللحظة التي يحتاج فيها المجلس إلى اتخاذ قرار، فالأغلبية العددية شيء، والأغلبية السياسية شيء آخر. وقد يكون المجلس متوفراً على أغلبية كبيرة عند بداية الولاية، لكنه يصبح بعد سنوات عاجزاً عن تمرير قرار بسيط إذا تغيرت العلاقات بين مكوناته، وهذا ما يجعل مرحلة ما بعد انتخابات 23 شتنبر مرشحة لإعادة تشكيل المشهد السياسي المحلي تدريجياً. فالأحزاب التي حققت مكاسب انتخابية جديدة ستسعى إلى ترجمة قوتها في المجالس، بينما ستعمل أحزاب أخرى على حماية مواقعها ومراكز نفوذها.

وفي المحصلة، يبدو أن الانتخابات التشريعية لم تُنهِ فقط مرحلة سياسية على المستوى الوطني، وإنما فتحت أيضاً الباب أمام إعادة تفاوض واسعة على التحالفات المحلية.

ومن سوس ماسة إلى بني يخلف وطنجة، تبدو الرسالة واضحة: المجالس الترابية دخلت مرحلة سياسية جديدة، عنوانها نهاية التحالفات الجامدة وبداية تحالفات مرنة ومتحركة، قد تتغير من دورة إلى أخرى ومن ملف إلى آخر.

وإذا استمر هذا الاتجاه، فإن ميزانيات 2027 لن تكون مجرد وثائق مالية تنتظر المصادقة، بل ستصبح امتحاناً سياسياً حقيقياً لرؤساء المجالس، واختباراً لقدرتهم على إعادة بناء الأغلبية بعد أن أعادت انتخابات 2026 خلط الأوراق، فما يجري اليوم داخل المجالس قد يكون مجرد بداية؛ أما المعركة الحقيقية، فتتعلق بمن سيملك مفاتيح القرار المحلي في المرحلة السياسية الجديدة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.