مجلس الأمن أمام اختبار جديد في ملف الصحراء المغربية

0

تتجه قضية الصحراء المغربية نحو محطة دبلوماسية جديدة داخل مجلس الأمن الدولي، مع تكثيف المشاورات بشأن مشروع قرار مرتقب قبل نهاية أكتوبر الجاري، في سياق يتسم باستمرار الخلافات حول آليات التسوية السياسية ومستقبل بعثة الأمم المتحدة في الصحراء «مينورسو». ويأتي هذا التحرك في وقت تتباين فيه المقاربات الدولية بشأن كيفية دفع المفاوضات إلى الأمام، بين توجه يركز على تسريع المسار السياسي عبر الضغوط الدبلوماسية، وآخر يدعو إلى التدرج والحفاظ على قنوات الحوار والضمانات اللازمة لأي اتفاق محتمل.

وأجرى أعضاء مجلس الأمن، الخميس 8 أكتوبر، مشاورات مغلقة بشأن تطورات الملف، عقب تقديم الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، تقريره السنوي حول الوضع في الصحراء. ويستعرض التقرير التطورات السياسية والميدانية، وجهود المبعوث الشخصي للأمين العام، ستافان دي ميستورا، لإعادة تحريك العملية السياسية، في ظل استمرار التباعد بين مواقف المغرب وجبهة البوليساريو بشأن طبيعة الحل النهائي ومستقبل المنطقة.

ورغم أهمية الاجتماع في رسم ملامح القرار المقبل، لم يصدر عن المجلس، عقب المشاورات، إعلان رسمي يكشف تفاصيل مواقف الدول الأعضاء أو نقاط الاتفاق والاختلاف بينها. غير أن النقاشات تضع مسألتين مترابطتين في صدارة الاهتمام الدبلوماسي مستقبل المفاوضات على أساس المرجعية التي حددها المجلس في قراره السابق، وطبيعة الولاية التي ينبغي أن تضطلع بها «مينورسو» خلال المرحلة المقبلة.

وتبرز أهمية هذه المحطة في ضوء القرار رقم 2797، الذي اعتمده مجلس الأمن في أكتوبر 2025، ودعا إلى استئناف المفاوضات على أساس المقترح المغربي للحكم الذاتي، بهدف التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الأطراف، يشكل هذا القرار مرجعية أساسية للنقاش الجاري، بينما يظل التحدي المطروح هو تحويل الإطار السياسي الذي حدده المجلس إلى مسار تفاوضي قادر على تجاوز الخلافات القائمة.

وبحسب ما أوردته إذاعة فرنسا الدولية، فإن تبايناً بدأ يظهر بين المقاربة الأمريكية والتوجه الذي تتبناه الأمانة العامة للأمم المتحدة بشأن إدارة المفاوضات. ففي حين تميل واشنطن إلى ممارسة ضغوط دبلوماسية من أجل تسريع التوصل إلى اتفاق، تفضل الأمانة العامة مقاربة أكثر تدرجاً، تقوم على استمرار الحوار وتوفير الضمانات التي من شأنها تيسير قبول التسوية من الأطراف المعنية.

ونقلت الإذاعة عن ريكاردو فابياني، الباحث في مجموعة الأزمات الدولية، أن الاختلاف يرتبط أساساً بأسلوب إدارة العملية السياسية وإيقاعها، وليس بالضرورة بالأهداف المعلنة للتسوية. ويعكس هذا التباين معضلة دبلوماسية أوسع، تتمثل في كيفية التوفيق بين الرغبة في إنهاء نزاع طال أمده، والحاجة إلى ضمان حد أدنى من التفاهم السياسي الذي يسمح بتنفيذ أي اتفاق مستقبلي.

ويمتد النقاش داخل مجلس الأمن على المفاوضات السياسية، إلى مستقبل «مينورسو»، التي أُنشئت سنة 1991 لمراقبة وقف إطلاق النار والتحضير لاستفتاء تقرير المصير، قبل أن تتغير طبيعة مهامها تدريجياً مع تعثر تنظيم الاستفتاء. ويطرح هذا الواقع تساؤلات بشأن مدى ملاءمة الولاية الحالية للبعثة مع التطورات السياسية والميدانية، وحدود التعديلات الممكنة من دون التأثير في الاستقرار القائم.

وفي هذا السياق، أوصى غوتيريش بتمديد ولاية البعثة لمدة سنة إضافية، إلى غاية 31 أكتوبر 2027، معتبراً أن استمرار مهام المراقبة والتحقيق والاتصال يظل ضرورياً لتفادي تصعيد الأعمال العدائية ما دامت التسوية السياسية لم تتحقق. كما حذر التقرير من إدخال تغييرات مبكرة على هيكلة البعثة أو اختصاصاتها في وقت لا تزال فيه المفاوضات جارية.

في المقابل، يجري تداول احتمال اعتماد تمديد أقصر، قد لا يتجاوز ستة أشهر، بما يتيح لمجلس الأمن العودة إلى تقييم الوضع السياسي والميداني في موعد أقرب. ويكشف هذا النقاش عن اختلاف في تقدير المدة اللازمة للحفاظ على استمرارية البعثة، من جهة، ومنح المجلس هامشاً أوسع لمواكبة التحولات السياسية، من جهة أخرى.

وتتزامن هذه المداولات مع حديث التقرير عن ترتيبات محتملة لمرحلة انتقالية، تشمل إنشاء مجلس انتقالي، وتوفير ضمانات دولية، ومعالجة قضايا تقاسم الموارد والمصالحة، إلى جانب تدابير لبناء الثقة بين الأطراف. غير أن طرح هذه الأفكار لا يعني التوصل إلى اتفاق بشأنها، إذ تظل مقترحات مرتبطة بمسار تفاوضي لم يحسم بعد طبيعة التسوية أو آليات تنفيذها.

وكانت الأشهر الماضية قد شهدت ثلاث جولات من المفاوضات بمشاركة المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا، برعاية أمريكية وبمشاركة الأمم المتحدة، كان آخرها في واشنطن يومي 23 و24 فبراير الماضي. ولم تفض هذه اللقاءات إلى اتفاق نهائي، في ظل تمسك المغرب بمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، مقابل مطالبة البوليساريو بتسوية تتضمن حق تقرير المصير، بما في ذلك خيار الاستقلال.

وتبرز، في ضوء هذه المعطيات، صعوبة الانتقال من المشاورات الدولية إلى تفاهم سياسي عملي، خصوصاً أن أي تسوية تتطلب معالجة الخلافات المرتبطة بطبيعة الحل والضمانات المصاحبة له، فضلاً عن دور الأطراف المعنية في تنفيذ الالتزامات المتفق عليها.

ومن المنتظر أن تتواصل المشاورات خلال الأسابيع المقبلة لصياغة مشروع القرار الجديد، الذي تتولى الولايات المتحدة إعداد مسودته، تمهيداً لعرضه على التصويت قبل نهاية أكتوبر. وستتحدد أهمية القرار بمدى قدرته على الحفاظ على استمرارية المسار السياسي، وتحديد مستقبل «مينورسو»، وتوفير إطار أممي يسمح بمواصلة المفاوضات من دون الإخلال بمتطلبات الاستقرار.

وبذلك، لا يتعلق الاختبار المقبل لمجلس الأمن بمجرد تجديد ولاية بعثة أممية، بل بقدرته على التوفيق بين المرجعية السياسية المعتمدة، وتباين المقاربات الدبلوماسية، واستمرار الخلافات بين الأطراف. أما تجاوز حالة الجمود، فسيظل رهيناً بمدى قدرة الجهود الدولية على تحويل المبادرات والمقترحات المطروحة إلى تفاهمات عملية تمهد لتسوية سياسية دائمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.