أخنوش … هل انتهى زمن الوقار أم أن المنصب أنسى صاحبه أصول البروتوكول ؟؟

0

 

خليفة مزضوضي
كاتب واعلامي من مراكش

ليست السياسة مجرد كراسي وثيرة ومناصب رفيعة وظهور متكرر أمام الكاميرات، وليست المسؤولية الحكومية امتيازاً يمنح صاحبه الحق في التعامل مع المناسبات السيادية وكأنها جلسات عادية لا تستوجب الانتباه إلى رمزية المكان وهيبة المؤسسة.

ما أثار الانتباه خلال مراسيم افتتاح السنة التشريعية يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، هو ظهور عزيز أخنوش، رئيس الحكومة المنتهية ولايتها، جالساً واضعاً إحدى رجليه فوق الأخرى، في مناسبة ترأسها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله.

قد يقول قائل إن الأمر لا يتجاوز حركة عفوية، وإن طريقة الجلوس لا تستحق كل هذا النقاش. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل أصبحنا مطالبين بالصمت كلما تعلق الأمر بسلوك مسؤول كبير، أم أن من تولوا تدبير شؤون البلاد ينبغي أن يكونوا أول من يدرك أن المسؤولية تفرض عليهم انضباطاً يتجاوز ما هو مطلوب من المواطن العادي؟

إن المسألة ليست حرباً على شخص، ولا محاولة لتضخيم حركة عابرة، بل نقاش حول ثقافة المسؤولية، وحدود التصرف الشخصي، والفرق بين الجلوس في مجلس خاص والحضور في مناسبة دستورية ترمز إلى استمرارية الدولة المغربية ومؤسساتها.

أخنوش… المنصب لا يمنح صاحبه حصانة من النقد!

السيد عزيز أخنوش،

لقد جلستم على رأس الحكومة المغربية، وتوليتم مسؤولية تنفيذ السياسات العمومية في مرحلة كانت فيها انتظارات المواطنين كبيرة، وأسئلتهم بشأن القدرة الشرائية وفرص الشغل والعدالة الاجتماعية حاضرة بقوة.

واليوم، بعد تجربتكم على رأس السلطة التنفيذية، يصبح من حق الرأي العام أن يناقش أداءكم السياسي، وأن ينتقد مواقفكم، وأن يتوقف عند سلوككم في المناسبات الرسمية، تماماً كما يفعل مع أي مسؤول عمومي.

فلا أحد فوق النقد، ولا أحد يملك صكاً للحصانة الأخلاقية لمجرد أنه جلس يوماً على كرسي رئاسة الحكومة.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب الحياة السياسية هو أن يعتقد المسؤول أن منصبه يمنحه امتيازاً في السلوك، وأن مكانته تعفيه من واجب الانتباه إلى صورة تصرفاته أمام المواطنين.

المسؤولية ليست لقباً يُضاف إلى الاسم، ولا وجاهة اجتماعية تُستعرض أمام الكاميرات، بل هي ثقافة وانضباط ووعي مستمر بأن كل تصرف يصدر عن المسؤول في الفضاء العام قد يصبح موضوعاً للمساءلة والنقاش.

هل أصبح الوقار تفصيلاً لا يستحق الانتباه؟

إننا لا نزعم أن وضع رجل فوق أخرى يشكل، في حد ذاته، إهانة للملك أو خرقاً مؤكداً لبروتوكول رسمي؛ فمثل هذا الحكم يحتاج إلى ما يثبته، ولا يجوز استنتاج النيات من صورة واحدة.

لكننا نرفض، في المقابل، أن يتحول هذا التحفظ إلى ذريعة لإغلاق باب النقاش.

فالمناسبات الرسمية ليست كلها متشابهة، والسلوك الذي قد يكون عادياً في مجلس خاص يمكن أن يُقرأ بصورة مختلفة عندما يتعلق الأمر بمناسبة وطنية ذات رمزية دستورية كبرى.

وهنا تكمن مسؤولية المسؤول السياسي: أن يعرف متى يتحدث، وكيف يتصرف، وأين يوجد، وما الذي تفرضه طبيعة المكان والمناسبة.

فهل يُعقل أن نطالب الشباب بالتربية على المواطنة واحترام المؤسسات، ثم نتردد في مساءلة المسؤولين أنفسهم عن مستوى الوعي الذي يظهرونه في المحافل الرسمية؟

إن القدوة تبدأ من الأعلى، والاحترام لا يمكن أن يكون مطلباً موجهاً إلى المواطنين وحدهم

السيد أخنوش،

إن تدبير الشأن العام يختلف عن تدبير المقاولات الخاصة، والمسؤولية الدستورية تختلف عن المسؤولية داخل مجال الأعمال.

في الحياة الخاصة، لكل إنسان هامش واسع من الحرية في تصرفاته الشخصية. أما عندما يصبح الشخص مسؤولاً حكومياً أو ممثلاً لمؤسسات الدولة، فإن تصرفاته تدخل، بدرجات متفاوتة، في دائرة اهتمام الرأي العام.

ولذلك، فإن المطلوب من رجل السياسة ليس فقط أن يحضر، بل أن يستوعب طبيعة الحضور؛ وليس فقط أن يشغل موقعاً متقدماً، بل أن يكون واعياً بالالتزامات المعنوية التي تترتب عليه.

إن الثروة قد تفتح أبواباً كثيرة، وقد تمنح صاحبها مكانة اقتصادية، لكنها لا تمنحه تلقائياً ثقافة سياسية رفيعة، ولا تعفيه من ضرورة التحلي بالتواضع والانضباط وحسن تقدير المواقف.

فالمال يصنع النفوذ، والمنصب يمنح السلطة، لكن السلوك وحده يكشف مقدار النضج الذي اكتسبه الإنسان من تجربته في تدبير الشأن العام.

وهذه ليست إدانة لشخص بعينه، بل قاعدة ينبغي أن يخضع لها كل من يتولى مسؤولية عمومية، مهما كان اسمه أو انتماؤه أو حجم ثروته.

احترام الملك لا يُختزل في الشعارات!

إن احترام صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، واحترام المؤسسة الملكية باعتبارها مؤسسة دستورية محورية في نظام الدولة المغربية، لا ينبغي أن يتحولا إلى مجرد عبارات جاهزة تُردد في المناسبات.

فالاحترام مسؤولية، والولاء للمؤسسات لا يُقاس بارتفاع الشعارات، وإنما يظهر في الوعي برمزيتها، والالتزام بالقواعد التي تنظم العمل داخلها، والتعامل مع مناسباتها الرسمية بما يليق بطبيعتها.

وفي الوقت نفسه، فإن احترام المؤسسة الملكية لا يقتضي تحويل كل صورة إلى اتهام، ولا يبرر إطلاق أحكام على النيات دون دليل. بل يقتضي نقاشاً مسؤولاً يميز بين النقد المشروع والتجريح الشخصي، وبين ملاحظة سلوك ظاهر والجزم بدلالات لا تثبتها المعطيات المتاحة.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت حركة الجلوس وحدها تستحق الإدانة، بل ما إذا كنا نمتلك ثقافة سياسية تجعل المسؤول يدرك أن الوقار جزء من صورته العامة، وأن النقد حق للمواطن، وأن المنصب لا يحول صاحبه إلى شخص ممنوع من المساءلة.

أخنوش… انتهت الحكومة، ولم ينتهِ حق المغاربة في التقييم!

إن مغادرة المسؤول لمنصبه لا تعني إسدال الستار على تجربته، ولا تعفيه من النقاش بشأن أدائه ومواقفه وسلوكه العام.

فالحكومات تتعاقب، والولايات تنتهي، والأسماء التي تتصدر المشهد اليوم قد تصبح غداً جزءاً من ذاكرة سياسية يقيّمها التاريخ.

وما يحتاج إليه المغرب ليس مسؤولين يحرصون على الظهور في الصفوف الأمامية فحسب، بل رجال دولة يستوعبون أن المسؤولية أخلاق قبل أن تكون سلطة، وأن احترام المؤسسات ممارسة يومية قبل أن يكون خطاباً رسمياً.

أما المواطن المغربي، فمن حقه أن يناقش، وأن ينتقد، وأن يطالب المسؤولين بمعايير عالية من الانضباط والجدية، دون أن يُتهم بالعداء أو المزايدة كلما طرح سؤالاً محرجاً.

فالديمقراطية لا تعني التصفيق للمسؤولين، كما أن احترام المؤسسات لا يعني تعطيل النقد؛ بل إن قوة المؤسسات تتعزز حين يسود الوعي بالمسؤولية، ويُمارس النقد بجرأة وانضباط.

كلمة أخيرة لا تحتاج إلى مجاملة

السيد عزيز أخنوش،

قد لا تكفي صورة واحدة للحكم على شخصية سياسية، لكنها تكفي أحياناً لفتح نقاش حول المعايير التي ينبغي أن تحكم سلوك المسؤولين في المناسبات الكبرى.

ولذلك، فإن الرسالة واضحة: لا أحد يطالبك بالتخلي عن حريتك الشخصية، ولا يملك أحد الحق في اتهامك بإهانة متعمدة استناداً إلى وضعية جلوس وحدها؛ لكن من حق المغاربة أن ينتظروا منك، ومن غيرك ممن تولوا أعلى المسؤوليات، مستوى رفيعاً من الوعي السياسي وحسن تقدير المقام.

فالمسؤول الذي يطلب احترام موقعه، عليه أولاً أن يدرك أن احترام الموقع يبدأ باحترام مقتضياته.

والأهم من ذلك كله أن الدولة المغربية أكبر من الأشخاص، والمؤسسة الملكية أكبر من الحكومات، وكرامة المؤسسات لا ينبغي أن تكون موضوعاً للمزايدة أو مادة للاستعراض السياسي.

قد ينتهي زمن المسؤولية الحكومية، لكن مسؤولية الإنسان عن صورته وسلوكه لا تنتهي بانتهاء ولايته

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.