المنصوري تستقر على تحالف من أربعة أحزاب

0

تدخل مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة مرحلة الحسم، مع اقتراب فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المعيّنة، من الإعلان عن ملامح التحالف السياسي الذي سيقود المرحلة المقبلة، في سياق تتجه فيه المفاوضات نحو بناء أغلبية برلمانية قوامها 210 نواب، تجمع أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية. ويعكس هذا التوجه سعياً إلى تشكيل ائتلاف حكومي قائم على التقارب في التصورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعلى صياغة برنامج مشترك يشكل الإطار المرجعي لعمل الحكومة المقبلة.

وتفيد المعطيات المرتبطة بالمشاورات بأن إعداد مسودة البرنامج الحكومي جرى بمشاركة ممثلين عن الأحزاب الأربعة، في خطوة تتجاوز مجرد توزيع الحقائب الوزارية إلى محاولة بلورة أرضية سياسية مشتركة، تحدد الأولويات والتعهدات التي ستؤطر عمل الجهاز التنفيذي. كما يرتقب أن تشهد المرحلة الحالية لقاءات بين المنصوري وقيادات الأحزاب المعنية، من أجل وضع اللمسات الأخيرة على تركيبة الأغلبية والحسم في الترتيبات المرتبطة بتشكيل الحكومة.

وتكتسي هذه المرحلة أهمية خاصة بالنظر إلى أن نجاح أي تحالف حكومي لا يرتبط فقط بتوفر العدد الكافي من المقاعد داخل مجلس النواب، بل يتطلب أيضاً قدرة مكوناته على التوافق بشأن برنامج واضح، يوازن بين اختلاف المرجعيات الحزبية وانتظارات المواطنين، ويحدد المسؤوليات والآليات التي ستتيح ترجمة الالتزامات السياسية إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ والتقييم.

ويشكل اعتماد مسودة برنامج حكومي بمشاركة الأحزاب الأربعة مؤشراً على أن المشاورات انتقلت إلى مستوى أكثر تقدماً، بعدما أصبح النقاش منصباً على طبيعة الالتزامات التي ستجمع مكونات الأغلبية المقبلة. فالأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية لا تدخل هذا التحالف بالمرجعيات السياسية نفسها، الأمر الذي يجعل التوافق حول البرنامج الحكومي عاملاً أساسياً لضمان الانسجام داخل الأغلبية.

ويفترض أن يتجاوز البرنامج المرتقب الصياغات العامة والتعهدات السياسية، نحو تحديد أولويات واضحة في مجالات التشغيل والاستثمار والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية، إلى جانب تحسين الخدمات العمومية وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية. كما سيكون مطلوباً أن يتضمن التزامات قابلة للقياس، مرتبطة بآجال تنفيذ محددة، حتى لا يتحول التوافق بين الأحزاب إلى وثيقة سياسية تفتقر إلى آليات عملية للتنزيل والمحاسبة.

وتبرز أهمية هذا التحدي في ظل تعدد الانتظارات الاجتماعية والاقتصادية، إذ ستكون الحكومة المقبلة مطالبة بتحقيق التوازن بين مواصلة الأوراش الاستراتيجية والاستجابة للمطالب اليومية للمواطنين. ومن ثم، فإن القيمة السياسية للبرنامج لن تتحدد فقط بمضمونه المعلن، وإنما بمدى قدرة مكوناته على الدفاع عنه داخل البرلمان، وتنسيق مواقفها بشأن القوانين والإصلاحات، وتدبير الخلافات التي قد تظهر أثناء ممارسة المسؤولية الحكومية.

وتمنح الأغلبية المكونة من 210 نواب للتحالف المرتقب قاعدة برلمانية تستند إلى الأحزاب الأربعة المشاركة في الحكومة. غير أن الحفاظ على هذه القاعدة سيظل رهيناً بمدى احترام التفاهمات السياسية، وتوفير قنوات دائمة للتنسيق بين قيادات الأحزاب وفرقها البرلمانية، بما يضمن التفاعل بين العمل الحكومي والرقابة التشريعية.

وإذا جرى الاتفاق على مساندة إضافية من حزبي الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية، اللذين يُنتظر أن يقدما دعماً نقدياً من خارج التشكيلة الحكومية، فقد يرتفع عدد النواب الداعمين إلى 235. ويعني ذلك إمكانية توسيع قاعدة المساندة البرلمانية، مع بقاء التمييز قائماً بين المشاركة في الحكومة وتقديم دعم مشروط أو نقدي من خارجها. غير أن الرهان الأساسي سيظل مرتبطاً بتماسك الأغلبية الأصلية وقدرتها على تدبير الاختلافات الداخلية.

وبالتوازي مع المفاوضات بشأن البرنامج الحكومي، يبرز انتخاب رئيس مجلس النواب باعتباره محطة سياسية ومؤسساتية لا تقل أهمية عن استكمال تركيبة الحكومة. فالتوافق المرتقب حول إسناد رئاسة الغرفة الأولى إلى مرشح من حزب الأصالة والمعاصرة يعكس ارتباط المفاوضات الحكومية بترتيبات تدبير المؤسسة التشريعية، حيث تتقاطع حسابات الأغلبية مع متطلبات تنظيم العمل البرلماني خلال الولاية الجديدة.

ومن المنتظر أن يشكل انتخاب رئيس المجلس اختباراً أولياً لمدى قدرة الأحزاب الأربعة على توحيد مواقفها، وتأكيد وجود تفاهم يتجاوز توزيع المسؤوليات التنفيذية إلى تنظيم العلاقة بين الحكومة والبرلمان. كما سيكشف هذا الاستحقاق طبيعة التنسيق بين مكونات الأغلبية في مواجهة الاستحقاقات التشريعية المقبلة، ومدى استعدادها لاعتماد آليات مشتركة في تدبير الجلسات واللجان والتصويت على النصوص القانونية.

ومع ذلك، فإن التوافق على رئاسة مجلس النواب لا يعني بالضرورة انتهاء جميع نقاط الخلاف بين الأحزاب، كما أن توزيع المسؤوليات لا يعوض الحاجة إلى حوار سياسي مستمر يضمن احترام خصوصية كل مكون داخل الائتلاف. فالأغلبية الحكومية مطالبة، من جهة، بتأمين الاستقرار اللازم لتنفيذ برنامجها، ومن جهة أخرى، بالحفاظ على التعددية السياسية وفتح المجال أمام المعارضة للقيام بأدوارها الدستورية في المراقبة والمساءلة وتقديم البدائل.

وبذلك، تتجه مشاورات فاطمة الزهراء المنصوري نحو بناء أغلبية من 210 نواب، تستند إلى توافق رباعي حول برنامج حكومي مشترك، بالتوازي مع تفاهم مرتقب بشأن رئاسة مجلس النواب. وتبقى المرحلة المقبلة مرتبطة بالإعلان الرسمي عن تركيبة التحالف ومضامين برنامجه، قبل الانتقال من منطق التفاوض بين الأحزاب إلى اختبار القدرة على الوفاء بالتعهدات. فنجاح هذا الائتلاف لن يقاس فقط بتماسك أرقامه البرلمانية أو بتوافقه حول المسؤوليات، بل بمدى انعكاس قراراته على التنمية والخدمات العمومية والاستجابة لانتظارات المواطنين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.